تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الكتاب والسنة من العلماء والعباد يجعل من أهل الأهواء؛ كما كان السلف يسمونهم أهل الأهواء، وذلك أن كل من لم يتبع العلم فقد اتبع هواه، والعلم بالدين لا يكون إلا بهدي الله الذي بعث به رسوله؛ ولهذا قال تعالى في موضع: ﴿وإن كثيراً ليضلون بأهوائهم بغير علم﴾، وقال في موضع آخر: ﴿ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله﴾ ... ولهذا قال: ﴿يادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِى الاَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ فأخبر أن من اتبع هواه أضله ذلك عن سبيل الله، وهو هداه الذي بعث به رسوله؛ وهو السبيل إليه ... وهو كما قال الفضيل بن عياض رحمه الله: أخلصه وأصوبه. فإن العلم إذا كان خالصاً ولم يكن صواباً لم يقبل حتى يكون خالصاً صواباً، والخالص: أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة. فالعمل الصالح لا بد أن يراد به وجه الله تعالى؛ فإن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما أريد به وجهه وحده؛ كما في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «يقول الله أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه غيري فأنا بريء منه، وهو كله للذي أشرك».

وهذا هو التوحيد الذي هو أصل الإسلام، وهو دين الله الذي بعث به جميع رسله، وله خلق الخلق، وهو حقه على عباده: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، ولا بد مع ذلك أن يكون العمل صالحاً؛ وهو ما أمر الله به ورسوله، وهو الطاعة، فكل طاعة عمل صالح، وكل عمل صالح طاعة، وهو العمل المشروع المسنون، إذ المشروع المسنون هو المأمور به أمر إيجاب أو استحباب، وهو العمل الصالح، وهو الحسن، وهو البر، وهو الخير، وضده المعصية والعمل الفاسد، والسيئة، والفجور، والظلم ... ولا يكون عمله صالحاً إن لم يكن بعلم وفقه، وكما قال عمر بن عبد العزيز: من عبد الله بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح. وكما في حديث معاذ بن جبل - رضي الله عنه -: ﴿العلم إمام العمل والعمل تابعه﴾؛ وهذا ظاهر فإن القصد والعمل إن لم يكن بعلم كان جهلاً وضلالاً واتباعاً للهوى كما تقدم، وهذا هو الفرق بين أهل الجاهلية وأهل الإسلام] (1).

3 - وقال ابن القيم: [فصل في تحريم الإفتاء في دين الله بالرأي المتضمن لمخالفة النصوص والرأي الذي لم تشهد له النصوص بالقبول.

قال الله: ﴿فإنْ لَمْ يَسْتَجِيبوا لك فاعْلَمْ أنما يتبعون أَهْوَاءَهُمْ، وَمنْ أَضَلُّ ممن اتَّبَعَ هوِاهُ بغير هُدًى منَ الله إنَّ الله لا يهدي القومَ الظالمين﴾ فقسم الأمر إلى أمرين لا ثالث لهما، إما الاستجابة لله والرسول وما جاء به، وإما اتباع الهوى، فكُلُّ ما لم يأتِ به الرسولُ فهو من الهوى.

وقال تعالى: ﴿يا داود إنا جعلنَا خليفةً في الأرضِ، فاحكم بَيْنَ الناس بالحق، ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله، إن الذينَ يَضِلون عنْ سبيل الله لهم عذاب شديد بما نَسُوا يوم الحساب﴾ فقسَّم سبحانه طريقَ الحُكْم بين الناس إلى الحقِّ وهو الوحي الذي أنزله الله على رسوله، وإلى الهَوَى وهو ما خالفه.

(1) -مجموع الفتاوى (28/ 69).

محمد عمارة والرواد · الصفحة ١٨٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

محمد عمارة والروادص ١٨٢