والصواب من القول في ذلك عندنا : أن المسألة مكروهة لكل أحد إلا المضطر يخاف على نفسه التلف بتركها . فإن من كان قد بلغ حد الخوف على نفسه من الجوع ولا سبيل له إلى ما يقيم به رمقه ، ويرد عن نفسه الضرورة الحالة به ، إلا بالمسألة ، فإن عليه المسألة ، فرضا واجبا ، لأنه لا يحل [ له ] إتلاف نفسه ، وهو يجد السبيل إلى إحيائها بما أباح الله له بها إحياءها به ، والمسألة مباحة لمن كان ذا فاقة وفقر ، وإن كرهناها له ، وقد وجد عنها مندوحة بما يقيم به رمقه من عيش وإن ضاق . وإنما كر هناها على السبيل التي وصفنا ، لمن كرهنا له ، لتتابع الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما ذكرنا قبل من قوله : ' يد السائل السفلى ' ، وقوله : ' ما فتح أحد على نفسه باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر ' ، وقوله : ' من يتكفل لي بواحدة وأتكفل له الجنة ' ، فلما قال له ثوبان : أنا . قال : ' لا تسأل أحدا شيئا ' ، وقوله : ' من يستغن يغنه الله ، ومن يستعفف يعفه الله ' ، وما أشبه ذلك من الأخبار التي ذكرناها ، الواردة بكراهة النبي صلى الله عليه وسلم المسألة كراهة عامة من غير خصوص ذلك في حال من دون حال .
وقلنا : هي مع ذلك مباحة لمن كان ذا فاقة وفقر ، لتظاهر الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم في الأخبار التي وردت عنه بالوعيد عليها أو بتحريمها ، موصولة بالشروط التي ذكرناها ، وذلك قوله صلى الله عليه وسلم : ' من سأل وله ما يغنيه ' ، وقوله : ' من سأل الناس عن ظهر غنى ' .