وعلى هذا القول عوام علماء أهل الحجاز .
واعتلوا لإنكارهم تحديد قدر الغنى بحد من الوزن والكيل بأن قالوا : أحوال الناس في الغنى والفقر متفاوتة ، وأسبابهم فيه مختلفة ، فمنهم ذو العيال والمؤن الكثيرة الذي لا يغنيه إلا العظيم من المال ، لاستغراق نفقته التي لا بد منها في كل يوم ، اليسير من المال في اليسير من المدة ومنهم ذو المؤونة الخفيفة والخلي من العيال الذي يغنيه اليسير من المال ، ويخرجه القليل منه من الفاقة والفقر ، إلى الغنى وحسن الحال .
قالوا : فغير جائز لأحد تحديد المقدار الذي يخرج المرء من حال الفاقة والفقر إلى الغنى واليسر ، بحد من الكيل والوزن ، مع الأسباب التي ذكرنا ، فيكون بتحديده ذلك قد حرم على الفقير ما أباحه الله له من الصدقة ، إن كان قدر الذي حد لا يخرجه من فقره وأجاز للغنى ، إن كان ما دون ذلك يخرجه من الفاقة والفقر وهو لقدر ذلك مالك ، أخذ ما قد حرم الله عليه أخذه من الصدقة ، وأباح له من مسألة الناس ما قد حظر الله عليه مسألتهم إياه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم .
قالوا : ولا بيان في ذلك أبين مما بينه الله عز وجل لعباده في تنزيله بقوله تعالى : إنما الصدقات للفقراء والمساكين ، الآية .
قالوا : فالمسألة حلال للفقير والمسكين ما دام الفقير فقيرا الفقر المتعارف في الناس ، والمسكين مسكينا المسكنة المعلومة فيهم .
قالوا : وإنما لم يحد تعالى ذكره الغنى بحد في تنزيله من الكيل والوزن ، لعلمه بالسبب الذي ذكرنا من تفاوت أحوال خلقه في ذلك .