قيل : كلا الخبرين صحيح ، وليس أحدهما دافعا صاحبه ولا محيلا معناه . فأما الخبر الذي روي عن عمر وجابر عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله : ' لئن عشت لأنهين أن يسمى نافعا وبركة ويسارا ' ، وما أشبه ذلك فإنه جائز أن يكون صلى الله عليه وسلم قال ذلك ، ثم عاش بعد حتى نهى عن التسمية بهذه الأسماء ، على ما روى عنه سمرة ، فسمع سمرة النهي عنها ، ورواه عنه على ما سمع منه ، ولم يسمع ذلك جابر ، فأدى ما سمع منه / من قيله : ' لئن عشت لأنهين عنه ' ، وأخبر عنه أنه قبض صلى الله عليه وسلم قبل أن ينهى عنه ، إذ لم يعلم نهيه عنه حتى قبض ومضى لسبيله .
وذلك الواجب كان عليه أن يقول أو يفعل ، لأن كل من علم علما ، ثم لم يعلم تغير ذلك عن حاله التي علمه عليها ، فله القيام بالشهادة عليه على ما علمه به ، وإن كان جائزا تغيره عما كان عليه في حال علمه به . وذلك كالرجل يعلم وراثة رجل عن ميت له دارا أو أرضا أو غير ذلك من الأملاك ، فيأتيه مدع بعد حين يدعي ذلك ، ويزعم أنه له دون الذي هو في يده ، فلا خلاف بين الجميع أن للذي علم وراثة ذلك الوارث عن ميته ما ادعاه المدعي ، أن يشهد له بأن ذلك الذي ادعاه للذي علم وراثته عن ميته ، مع جواز خروج ذلك عن ملكه ، إما ببيع أو هبة ، وغير ذلك من الأسباب التي تزول بها الأملاك . وكذلك الشهادات على الأشياء الممكن تغير أحوالها على السبيل التي وصفنا .
فقد تبين بالذي ذكرنا أن قول جابر ما قال ، خبرا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، غير دافع ما روى سمرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك ولا رواية سمرة ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك ، محيل ما قال جابر وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذ كلا الخبرين صحيح معناهما ، ممكن استعمالهما على الصحة .