/ فتغيرت روائحها بموت ما مات فيها من ذلك ، حتى تقذرت النفوس النظر إليها وعافته ، فضلا عن أكلها أيأثم مريقها بإراقتها ، ويستحق طارحها بطرحها اسم مضيع مال ومفسد طعام ؟
فإن قال : نعم خرج من معقول أهل العقل ، وخالف ما عليه جميع الأمة ، من إجازتهم إلقاء ذلك وطرحه وترك أكله .
وإن قال : بل غير حرج الرامي به ، ولا آثم ملقيه ومريقه .
قيل له : فما الفرق بين ذلك ، وبين مريق قدر طبيخ لحوم الضباب التي أراقها من أراقها تقذرا وتنزها ، وكلاهما غير حرام أكله ، ولا حرج طاعمه ؟
فإن زعم أن ذلك مختلف ، بأن مريق ما وصفنا من القدور التي قد ماتت فيها الدواب التي ذكرنا أراق ما علته إراقته فرضا ، لتنجسه بموت ما مات فيه من ذلك ، وأن مريق القدر المطبوخ فيها لحوم الضباب ، أراق ما هو حلال أكله عندكم غير حرام خالف في ذلك ما عليه الحجة مجمعة ، وكلف تثبيت ما مات فيه من الدواب مما لا نفس له سائلة ، من الوجه الذي يجب التسليم له ، ولا سبيل إلى ذلك . وفي عزة ذلك عليه ، صحة القول بأن من المأكول والمطعوم مالصاحبه إلقاؤه وطرحه ، وترك أكله تقذرا وتنزها ، وهو بأكله لو أكله غير آثم ولا طاعم حراما .
وإذا صح ذلك ، صح أن من ذلك لحوم الضباب التي وصفنا ، وثبتت صحة ما قلنا من أن أكلها إن أكل ، لم يأكل بأكلها حراما ، وإن ألقاها ونبذها ، لم يكن بفعله ما فعل من ذلك مضيعا مالا ، لا مفسدا طعاما ، ولا لازمه بذلك لوم ولا إثم فيه .
وفي صحة ذلك كذلك ، صحة معنى الأخبار المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في لحوم الضباب كلها ، وذلك أن في أمره من أمر بأكل ذلك ، إعلاما منه أمته أنه حلال غير حرام وفي تركه أكله ونهيه من نهى عن أكله ، إعلامهم كراهته أكله