أو طعمه أو ريحه ثم لا ينقل الذين شاهدوا قوليه أي قوليه كان أولا ، وأيهما كان آخرا ، إلى من بعدهم أو لا يبين هو لأمته صلى الله عليه وسلم أن حكم قوله الثاني قد نسخ حكم قول الأول في ذلك ، لأن في ترك تبيين ذلك ، لو كان الأمر في هذين الخبرين على ما ظنه بعض الأغبياء ، تلبيسا على الأمة أمر دينهم في ذلك ، واللازم لهم العمل به فيه . ولكن الأمر في ذلك بخلاف ما يتوهمه كثير من الجهلة من أن أحد هذين الخبرين ناسخ الآخر ، أو أن أحدهما معارض الآخر ودافع معناه ، أو أن أحدهما صحيح والآخر سقيم بل هما عندنا صحيحان ، لعدالة رواتهما ، ومخرجهما كان إن شاء الله من نبي الله صلى الله عليه وسلم ، والقول بهما منه في وقتين ، أحدهما بعد الآخر بغير فصل له بأوقات .
وقد بينا في غير موضع من كتبنا فساد قول من قال بإجازة حكمين من النبي صلى الله عليه وسلم أحدهما : ناسخ الآخر ، بغير بيان للأمة الناسخ منهما من المنسوخ وخطأ قول الزاعمين بإجازة ورود أخبار تصح مخارجها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم معارضا بعضها بعضا .
وإذ كان ذلك فاسدا بالأدلة التي استشهدنا بها على فسادها في أماكنها ، فلم يبق قول يصح في هذين الخبرين ، إذ كانا صحيحي المخرج ، إلا القول الذي قلناه ، وهو أن يقال ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : ' الماء لا ينجسه شيء إذ كان قلتين ' ، أو أن يقال ، قال : ' إذا بلغ الماء قلتين لم ينجسه شيء ، ما لم يتغير لونه أو طعمه أو ريحه ، فيزول عنه معنى الماء ' ، فروى عنه بعض من سمعه يقول ذلك لبعض سائليه / الذين قد عرفوا أن قليل الماء الذي هو أقل من قلتين يتنجس بما يحل فيه من النجاسة عما حلت فيه النجاسة مما هو أكثر من قلتين ، أنه قال : ' الماء لا ينجسه شيء ' ، وهو يعني غير الماء الذي قد عرفه السائل والمسئول : أنه ينجس بما حل فيه من النجاسة . وروى عنه بعض سائليه الذين جهلوا حكم قليل ما حلت فيه النجاسة من الماء وكثيره ، على حسب ما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم يقول في ذلك من قوله : ' إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء ' .