تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال (1): ففهمت مقصوده، وأن عنده حنقاً شديداً عليهم؛ لما خلعوه وبايعوا الملك المظفر ركن الدين بيبرس الجاشنكير؛ فشرعت في مدحهم، والثناء عليهم، وشكرهم، وأن هؤلاء لو ذهبوا لم تجد مثلهم في دولتك، أما أنا فهم في حل من حقي، ومن جهتي، وسكَّنت ما عنده عليهم.

قال: فكان القاضي زيد الدين ابن مخلوف قاضي المالكية يقول بعد ذلك: ما رأينا أتقى من ابن تيمية؛ لم نُبْقِ ممكناً في السعي فيه، ولما قدر علينا عفا عنا.

ثم إن الشيخ بعد اجتماعه بالسلطان نزل إلى القاهرة، وسكن بالقرب من مشهد الحسين، وعاد إلى بث العلم، ونشره، والخلق يشتغلون عليه، ويقرأون، ويستفتونه، ويجيبهم بالكلامِ، والكتابةِ، والأمراءُ، والأكابرُ، والناسُ يترددون إليه، وفيهم من يعتذر إليه ويتنصل مما وقع.

فقال: قد جعلت الكل في حل مما جرى+ (2).

وقال البزار عن زهده: =ولقد اتفق كل من رآه خصوصاً من أطال ملازمته أنه ما رأى مثله في الزهد في الدنيا، حتى لقد صار ذلك مشهوراً؛ بحيث قد استقر في قلب القريب والبعيد من كل من سمع بصفاته على وجهها.

بل لو سُئل عامي من أهل بلد بعيد من الشيخ: من كان أزهد أهل هذا العصر، وأكملهم في رفض فضول الدنيا، وأحرصهم على طلب الآخرة؟ لقال: ما سمعت بمثل ابن تيمية _ رحمة الله عليه _+ (3).

وقال عن تواضعه: =أما تواضعه فما رأيت ولا سمعت بأحد من أهل عصره مثله في ذلك؛ كان يتواضع للكبير، والصغير، والجليل، والحقير، والغني الصالح، والفقير.

وكان يدني الفقير الصالح، ويكرمه، ويؤنسه، ويباسطه بحديثه المُسْتَحْلَى زيادة على مثله من الأغنياء، حتى إنه ربما خدمه بنفسه، وأعانه بحمل حاجته؛ جبراً لقلبه، وتقرباً بذلك إلى ربه.

(1) _ القائل هو ابن تيمية.

(2) _ العقود الدرية ص 221.

(3) _ الأعلام العلية ص 47_48.

تراجم لتسعة من العلماء · الصفحة ٤٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

تراجم لتسعة من العلماءص ٤٤