تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كان انتقال الشيخ إلى منصبه الجديد في الرياض مفاجأة لكل من في الجامعة مدرسين وطلاباً وموظفين، لا يشبهها إلا فقدان أسرة راعيها الحليم الرحيم.

وذات يوم عاد إلى المدينة في زيارة عابرة، فكانت فرصة مرموقة للاجتماع على وداعه.

وفي مسجد الجامعة احتشد هؤلاء؛ ليعبروا عن تقديرهم للرجل الذي خالط حُبُّه دماءهم، فكانت هناك كلمات أملاها الإخلاص دون إعداد، حتى جاء دور الشيخ للتعقيب عليها، فإذا هو يتعثر في التعبير؛ إذ غلبه التأثر، فلم يتمالك أن يبكي.

لقد كانت تلك الدموع الحارة أبلغَ خطاب سمعته للشيخ، وأشدَّ خُطَبه المبينة تحريكاً لمشاعر سامعيه، حتى غمر التفاعل كل من في المسجد، فهم بين باكٍ في صمت، ومُعْوُلٍ في نشيج.

وما أحسب ثمة بياناً أدل على مدى الترابط الروحي بين الشيخ وهذا الجمع من مثل ذلك الموقف.

ووجدت في نفسي دافعاً لا يُدفع إلى الكلام في أعقاب هذا المشهد المثير، فكان مما جرى به لساني هذان البيتان:

بكينا وفاءً لامرئ قل أن يُرى

له في الدعاة العاملين نظيرُ

فخلوا ملامي إن ألحَّ بي البكا

فإن فراق الصالحين عسير

وحقاً لقد كان فراق الشيخ ابن باز للجامعة الإسلامية عسيراً؛ لأنه فرق بينها وبين الرجل الذي باشر غرسها من أول أيامها، ثم مضى يسقيها ذوب قلبه، ويبذل لها من الجهد ما لا يضاهيه إلا سهر الأم على طفلها الحبيب؛ فجزاه الله عن الجامعة وأهلها، وعن الإسلام الذي وهب نفسه كلها له، خير ما يُجزى الدعاة العاملون المصلحون+.

وبهذا نصل إلى نهاية ترجمة المجذوب لسماحة الشيخ_رحمهما الله_.

كان سماحة الشيخ×يتمتع بصحة جيدة في الجملة فلم يكن يعاني من كثير من الأمراض التي كان يعاني منها من هو في سنه، أو في مكانته ممن يتصدون للناس، بل من هم أقل منه بكثير؛ فسماحته لم يكن مصاباً بمرض السُّكَّر، ولا بالضغط، ولا =بالكوليسترول+، ولم يكن يمتنع عن طعام، ولا يوجد معه مرض مزمن.

جوانب من سيرة ابن باز · الصفحة ٣٧٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

جوانب من سيرة ابن بازص ٣٧٠