وما هي سوى أيام حتى وردت الردود من الجهات العليا، وقد كان كل منها قطعة نفيسة من أدب مؤمني الحكام في مخاطبة الأعلام من علماء الإسلام.
لقد أوضحت هذه الردود البواعث التي اقتضت ذلك الأمر، وما أحيط به من تدابير حازمة لا تدع مجالاً للشك في صلاحيته.
وبذلك انتهينا إلى القناعة التامة بأنها ضرورة لا مندوحة عنها، وأن تحقيقها على النحو الذي صارت إليه بالغ منتهى السداد.
ولعمر الله إن المفكر المتدبر حين يعمد إلى تقويم كل من الكتاب والردود عليه، ليحار في أيهما هو الأرجح في موازين الخير، على أنه يظل مقتنعاً في سائر الأحوال أن المملكة ستظل بخير ما بقي لها هذا الضرب الشجاع من الأعلام، وذلك الصنف النادر من الحكام.
ثم تحدث عن خطابة الشيخ فقال:
=الشيخ الخطيب:
في تضاعيف ما أسلفت بعض الإشارات إلى بعض مميزات الشيخ الأدبية، وهنا أضيف إلى تلك الإشارات ما يوفر للقارئ صورة ولو مصغرة عن هذا الجانب من شخصيته.
ومن نوافل الأمور أن يقدر القارئ ثقافة الشيخ في اللغة والأدب، لأنهما من الأسس الرئيسية في نظام التعليم الإسلامي، ومرد ذلك إلى أن كلَّ جهدٍ يبذل لفهم الآية أو الحديث أو استنباط الحكم الفقهي_ذاهب سدى إذا لم يدعم بتعمق مماثل في قواعد العربية وآدابها وغريبها، وما يستتبع هذا وذاك من علوم البلاغة والنقد والشعر.
وبهذا كان للشيخ أدواته الكافية الوافرة لإجادة الكتابة والخطابة.
والمألوف في عالم الإسلام أن الذين يُحرمون بصرهم من أهل العلم أكثر ما تنمو قدرتهم الأدبية في نطاق الخطابة؛ لأن معظم اعتمادهم عليها في الدرس والوعظ والدعوة.
وهذا ما يتجلى واضحاً في مواهب الشيخ ابن باز.
إنه لَخطيب مِصْقَعٌ سواء في محاضراته الكثيرة، أو تعقيباته على محاضرات غيره، أو في توجيهاته الحكيمة التي تشرئب إليها الأسماع.