وقد استمرت مسيرة المجتمع المسلم في صعد، حتى أسقطوا هذا المبدأ من حياتهم، فباتوا عرضة لتقلبات الأهواء، يتخذهم المستبدون مطايا لشهواتهم، فيمضون في عمياءَ لا هادي لها، حتى انتهوا إلى المصير الذي لا مندوحة عنه للخابطين في الظلمات.
والشيخ_الذي أخذ نفسه بأدب الإسلام عزائمِه ورخصِه_ما كان له أن يتخلى عن مبدأ الشورى في أي شأن يقتضيه.
وقد شاء الله أن أصحبه في مجلس الجامعة عدد سنين، فقُيِّض لي أن أشهد من فضائله، وبخاصة في هذا الجانب من خلقه ما لا يصح إغفاله من أي ترجمة تكتب عنه.
أول ما نواجهه من شيم الشيخ في هذه المجالس ذلك الأنس الذي يشيعه في نفوس الأعضاء، بسؤاله كُلاً منهم عن حاله وصحته، ووقوفه على ما سمع من الأنباء العالمية وأحوال المسلمين، فإذا ما بدأ النظر في جدول الأعمال، أخذ بكل منها على حدة، فُعرضت للمناقشة، وأعطى كل عضو رأيه فيها بصراحة، فإذا انعقد على وجه منها الإجماع أُثبت ذلك في المحضر، وإلا طَرح كُلاً من الوجوه المختلفة للتصويت، وتقرر في شأنها الوجه الأجمع للأصوات.
وكثيراً ما يكون هذا الترجيح مخالفاً لرأي الشيخ، ولكن ثقته بأعضاء المجلس، والتزامه مبدأ الشورى ينتهيان به إلى الرضى التام بكل ما تم.
وذات ليلة احتدم النقاش حول إحدى القضايا المطروحة، وتباينت الآراء فيها، وكأني بالشيخ قد خشي أن يكون في إبدائه وجهة نظره إحراج للآخرين فقال بلهجة ملؤها الود: أرى يا إخوان أن يأتي رأيي ورأي نائبي آخر الآراء؛ لئلا يكون في غير ذلك حرج لكم.
وهي كلمة عميقة الدلالة على سماحة الرجل، واحترامه النبيل للعاملين معه، ورغبته الصادقة في الانتفاع بخبراتهم إلى أقصى الحدود.