وكثيراً ما رأيته يُعْقِب الصلاة بموعظة قصيرة، ثم يعود إلى المنزل لمواصلة ما انقطع من حديث، أو لاستقبال مراجعين جدد، وقلما يخلو ذلك الوقت من قراءة في بعض الكتب القيمة يتلوها عليه بعض المشايخ من خاصة طلبته إلى ميعاد المغرب، فيمضي معهم إلى المسجد ثم يعود معهم إلى المنزل للقراءة والنظر في شؤون الناس، حتى وقت العشاء، وبعد أداء الصلاة يتناول مع الحضور طعام الليل، ثم يقبل عليه أحد مساعديه بالمعاملات الخاصة بالمساجد ونحوها، فيستمع ويملي، ولا يزال بين قراءة وإملاء وحديث نافع حتى وقت متأخر، وقلما يتاح له الإخلاد إلى النوم قبل منتصف الليل.
ويحين موعد صلاة الفجر في اليوم التالي فيتهيأ لها، ثم يأخذ سمته إلى المسجد مع مرافقه، فإذا ما عاد إلى المسكن جلس للنظر في الاستفتاءات الواردة إلى مكتب البيت من مختلف الأرجاء والأقطار، فإذا ما فرغ منها نظر في طلبات المستشفعين من أصحاب الحاجات، فأوردها مواردها اللازمة، وهنا يوافيه موعد الدوام الرسمي فينهض إليه على عادته التي وصفنا.
تلك هي الصورة المقاربة ليوميات الشيخ نقلنا بعضها من مشاهداتنا، ومعظمها عن أخ كريم طويل الصحبة له.
ومن حق القارئ أن يستشعر العجب بإزاء هذه الوقائع التي تكاد لا تصدق، ولكنها مع ذلك حقيقة يعرفها عن الشيخ كل من خالطه عن كثب. كان الله في عونه، وبارك في حياته، وأمتع به+.
ثم انتقل المجذوب إلى جانب آخر في سيرة سماحة الشيخ، ألا وهو الشورى، فقال:
=الشورى في حياة الشيخ:
وصف الله المؤمنين بقوله الحق [وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ] الشورى: 38، وألزم نبيَّه وهو المؤيد بوحيه أن لا يفارق الشورى في كل شأن هام، فقال له: [وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ] آل عمران: 159.