ومما يندرج في هذا النطاق من أخلاق الشيخ طبيعة الكرم التي لا يملك لها تغييرا ولا تعديلاً؛ فعلى مائدته يلتقي الصغير والكبير، والغريب والقريب، وما أحسب طعاماً له خَلا من عديد الضيفان، حتى لكأنه هو القائل:
إذا ما صنعتِ الزادَ فالتمسي له
أكيلا فإني لست آكله وحدي
أخا سفرٍ أو جار بيتٍ فإنني
أخاف مذمات الأحاديث من بعدي
وبهذه الخلائق الرضية يستجيب الشيخ لدعوات الآخرين، فلا يستنكف عن حضورها إلا لعذر قاهر، وقد يكون الداعي تلميذاً له، أو واحداً من غمار الناس.
وأذكر أني حللت في ضيافته أياماً بمدينة الرياض، فلم يتح لنا الغداء معه إلا على مائدة غيره من الداعين له؛ إذ كانت الدعوات تتوالى عليه من كل صوب، فيأمر بتحديد ما يمكن إجابته منها في جدول خاص، فلا ينفك يعتذر به كلما زادت الدعوات عن عدد الأيام، وذلك واحد من المشاهد الكثيرة التي أرتني مدى حب الناس لهذا الرجل.
وقد كان_وما يزال_وقته مباحاً للمراجعين يأخذون منه ما يشاؤون كما يشاؤون، ولكل منهم حاجته الخاصة، مما قد يحيف على أعماله الرسمية، فكان لابد من تنظيم أفضل لهذه الجوانب.
وهكذا قسم وقت الشيخ حسب الإمكان، فجزء للعمل الرسمي، وآخر للمستفتين والمراجعين، وثالث للمراسلات والأمالي.
ويتناوب على الكتابة للشيخ عدد من المساعدين يقرؤون له ما يريد من نصوص المراجع، وما يرد إليه من الرسائل، ثم يتلقون منه الأمالي التي لا يكاد يخلو منها يوم.
وإذا كان كتَّابه هؤلاء يستحقون الإشفاق؛ لِوَفْرة ما يتحملون من هذه المتاعب_فهو إذن أحق منهم بإشفاق محبيه؛ لعلمهم أن الجهد الذي يعانيه تنوء به العصبة أولو القوة.
والحق أن أحدنا ليتساءل في دهشة: كيف يستطيع هذا الرجل النهوض بكل هذه الأعباء ؟
ثم يتذكر أنها البركة التي يختص بها الله من يشاء من عباده، فتحقق لأحدهم من أعمال اليوم الواحد ما تضيق به الأسابيع، بل الأشهر من أعمار الآخرين.