من عاشقٍ وصديقِ
أراك خليت للنا
س منزلاً في الطريق
وما أعلم أحداً أحقَّ بهذا الوصف من الشيخ ابن باز، إن الناس ليتكبكبون حوله أينما وجد، في المسجد، في المنزل، في الجامعة، وإنه ليصغي لكل منهم في إقبال يُخَيَّل إليه أنه المختص برعايته، فلا ينصرف عنه حتى ينصرف هو.
ومراجعوه من مختلف الطبقات، ومن مختلف الأرجاء، ولكل حاجته، هذا يقصد إليه من أطراف المملكة يسأله الفتيا في أمر ضاق به العلماء، وذلك يفضي إليه بحاجة لا يغني فيها سوى الحلماء الكرماء، وربما كان بين هذا وذاك مَنْ لا يستحق اهتماماً ولا إصغاءً، ولكنه لا يعدم منه الرعاية التي تجبر قلبه.
وقد يكون بين المراجعين مَنْ يغلب عليه الحق فيسخط ويغلو لغير ضرورة، فلا يغير ذلك من حلم الشيخ، ولا يزيد على الدعاء له بالهداية، ودعوته إلى الأناة.
وليس بالنادر أن يزدحم عليه هؤلاء حتى لا يدعون له متسعاً لراحة، ومع ذلك لا يحاول التخلص من مقامه الضنك، بل تراه يصغي لحاجة كل منهم بهدوئه المعهود، ويجيب كُلاً بما يرى أنه الحق.
لقد دخلت سرادقه في مِنى ذات يوم، فإذا هو محاصر بهجمة من الناس، قد أحاطت به من كل صوب، بعضها مُكِبٌّ عليه، وبعضها قائم ينتظر دوره، وهو راض يسمع ويجيب، دون أن يبدو عليه أي تذمُّر.
ومع أن الشيخ يعطي كل زائر ومراجع حقه المناسب من مجلسه وإقباله، فالملاحظ أن له عنايةً خاصةً بالفقراء والضعفاء، حتى لقد رأيت منهم من تأخذه نشوة الاعتزاز؛ بما يجده من انبساطه إليه، واهتمامه بشؤونه الخاصة كأنه واحد من أقرب الناس إليه.
ولا أذيع سِرَّاً إذا قلت: إن نصيب هؤلاء من الشيخ لا يقتصر على حَدَبِه وتلطُّفه، بل كثيراً ما يتجاوز ذلك إلى العون الذي يسد الحاجة، ولو كلفه ذلك الحيفَ على ميزانيته.
وإذا سمحت لنفسي برواية ما يتناقله عارفوه قلت: إن ذلك كثيراً ما يرهق الشيخ بتحميله ما لا يطيق.