تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

خرجت من المدينة - فيمن خرج - إلى دمشق في أخريات سنة ست عشرة ميلادية، وكنت أتمنى لو أن دواعي ذلك الخروج كانت تقدمت ببضع سنوات لأدرك الإمامين اللذين كانت لهما في نفسي مكانة، وهما عبد الرزاق البيطار وجمال الدين القاسمي.

وكنت - وأنا بالمدينة - قرأتُ للقاسمي عدة كتب عرفت منها قيمته ومنزلته، وقرأت عن البيطار، وسمعتُ ما دلني عليه، وأدناني منه.

وفي أول اندلاع الثورة الشريفية قدم المدينة من دمشق جندي شاب من آل المارديني، وتعرّف إليّ في مكتبة شيخ الإسلام عارف حكمت، وتردّد على دروسي مرات في الحرم النبوي، فانعقدت بيننا ألفية روحية لا تأتي بمثلها الأسباب، وذلك الشاب شقيق الأستاذ جودت المارديني، ولأسرة المارديني بدمشق صلة متينة بأسرتَي القاسمي والبيطار.

فكنت أسأله عما يهمُّني من دمشق وأحوالها وعلمائها، وعن القاسمي والبيطار، كأن هاتفاً من وراء الغيب ألقي إليَّ أنني سأرحل إلى دمشق.

فأخبرني ذلك الشاب أن الله - تعالى - أبقى من بيت البيطار وارثاً لعلم الإمامين ومشربهما في الإصلاح، وهو الأستاذ محمد بهجة البيطار، وأن له من الشباب المصلح صحباً قليلاً عددهم، يوافقونه على الفكرة، ويلتقون معه على المبدأ؛ وأنه هو إمامهم ومرجعهم؛ فشوَّقني حديث الشاب إلى الأستاذ، وعلمت أن الروحين تعارفتا، فائتلفتا، ولم يبق إلا تعارف الأجساد.

ثم رجع الشاب إلى دمشق فأخبر الأستاذ عني بمثل ما أخبرني عنه، فتمّ التجاوب الروحاني بيننا، وتنادت الروابط الفكرية إلى الاجتماع فكان.

الصداقة بين العلماء · الصفحة ٨٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

الصداقة بين العلماءص ٨٠