ولما دخلت دمشق بعد ذلك بقليل، كان أول من زارني - بعد كرام الجالية الجزائرية - من أصدقائي السوريين الذين عرفوني بالمدينة المنورة: الأستاذ عبدالقادر الخطيب المظفر، وذلك الشاب المارديني الذي أنساني الزمان اسمه وإن لم يُنسني ذكراه، فكاد يطير فرحاً بمقدمي، وطار إلى أبناء المشرب - كما كان يسمّيهم - يُؤذّن فيهم بزيارتي فزاروني لأول مرة في رهط أذكر منهم شيخ الجماعة الأستاذ البيطار، والأستاذ عبد الحكيم الطرابلسي، والأستاذ جودت المارديني، والأستاذان قاسم ورضا القاسميين، والأستاذ سعيد الغزي، والأستاذ عبد القادر المبارك، وكان بيننا في لحظة ما يكون بين إخوان الصفا وإخوان الصبا من تأكُّد المحبة وارتفاع الكلفة، وسقوط التحفّظ.
ثم تعاقبت الاجتماعات وانتظمت، واتّسقت أسباب اللقاء، واتسعت آفاق البحث في الأسمار، وكثُر الصحب، وما منهم إلا السابق الْمُغَبِّر، والكاتب الْمُحَبِّر؛ واللِّسِن المعبّر، فكنّا لا نفترق من اجتماع إلا على موعد لاجتماع، وكان واسطة العقد في تلك المجالس الأستاذ الجليل والأخ الوفي الشيخ الأستاذ محمد الخضر حسين مد الله في حياته.
ولقد أقمت بين أولئك الصحب الكرام أربع سنين إلا قليلاً، فَأَشْهدُ صادقاً أنها هي الواحة الخضراء في حياتي المجدبة، وأنها هي الجزء العامر، في عمري الغامر، وأنني كنت فيها أقرّ عيناً وأسعد حالا ً من ذلك الذي نزل على آل المهلب شاتياً، فوجد الإدبار رائحاً والإقبال آتياً. (1)
(1) - يشير إلى قول أبي الهندي:
نزلت على آل المهلب شاتياً
فما زال بي إكرامهم وافتقادهم
غريباً عن الأوطان في بلد مَحْلِ
وبرُّهم حتى حسبتهم أهلي
قال ابن عبدالبر - رحمه الله - في بهجة المجالس 1 / 294: (( تذاكر أهل البصرة من ذوي الأدب والأحساب في أحسن ما قاله المولَّدون في حسن الجوار من غير تعسُّف ولا تعجرف، فأجمعوا على بيتي أبي الهندي)).