والأستاذ البيطار مفكر عميق التفكير، وخصوصاً في أحوال المسلمين، بصير بعللهم وأدوائهم، طَبٌّ بعلاجهم ودوائهم؛ يرى أن ذهاب ريحهم من ذهاب أخلاقهم، وأن معظم بلائهم آتٍ من كبرائهم وأمرائهم وعلمائهم، وهو يعني كبراء الدعوى، وأمراء السوء، وعلماء التقليد.
يرجع في ذلك كله إلى استقلال في الفهم والاستدلال، ومقارنات في التاريخ والاجتماع، وتطبيقات مصيبة للحقائق الدينية على السنن الكونية؛ وله في الإصلاح الديني سلف صدق، حققوه علماً، وطبّقوه عملاً.
يعتمد في تحصيله وتربيته على طودَيْن شامخين من أطواد العلم والعمل: أحدهما عبدالرزاق البيطار، والثاني الإمام المحدّث جمال الدين القاسمي، عنهما أخذ، وفي كنفهما نشأ، وعلى يديهما تخرّج؛ فجاء عالماً من ذلك الطراز الذي نقرؤه في التراجم، ولا نجده فيمن تقع عليه العين من هؤلاء العلماء الذين يقرأون ويحفظون وينقلون، ولكنهم لا يفقهون…
هذا العديد المتشابه الذي كأنه نُسخ من طبعة واحدة من كتاب، لا يقع التحريف في واحدة منها إلا وقع في جميعها، ولا يزيد واحد منهم في العدد إلا كما يزيد كتاب في مكتبة، لا كما يزيد فارس في كتيبة؛ بآية أنهم ما كثروا في الأمة إلا قلّت بهم الأمة، ولا ثقلوا في أنفسهم إلا خف وزنها في الأمم، ولا تغالوا في التعاظم إلا كان ذلك نقصاً من معاني العظمة فيها، وبآية أن علمهم لم يؤهّلهم لقيادة الأمة، فتركوا القيادة لغيرهم، وأصبحوا كأدوات التصدير التي يسبقها حرف الجر، فيدخل عليها ولا يعمل فيها؛ وبآية أن العالم في أوربا لا يعد عالماً إلا إذا زاد في العلم شيئاً، أو كشف من خفيِّه شيئاً، أو جلا من غامضه شيئاً، ونفض - مع ذلك - على العلم من روح زمنه شيئاً؛ ولا عجب! فالعلم عندهم ياقوتة في منجم، وعندنا لفظة في معجم، والأُولى تستخرج بالبحث والإلحاح، والثانية تستخرج بمعرفة الاصطلاح، والأولى حظ المجتهد العامل، والثانية حظ المقلّد الخامل.
بدء معرفتي به: