المبحث الثالث : إنكار الخطأ وقبول بقية الصواب
إن إنكار الخطأ وقبول بقية الصواب كان من المنهاج النبوي في تصحيح الأخطاء ، فقد ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - سواءً في العبادات أو غيرها – أنّه أنكر موضع الخطأ ، وشدّد عليه وصحَّحه ، وقبل بقية الصواب ، ووافق صاحبه عليه ، وشجَّعه ، وأمضاه .
والعمدة في هذا الموضوع هو ما رواه البخاري رحمه الله في صحيحه حيث ساق بسنده : عن خالد بن ذكوان قال : قالت الرّبيّع بنت معوّذ بن عفراء: جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - يدخل ، حين بُنيَ عليَّ ، فجلس على فراشي كمجلسك منّي ، فجعلت جويريات لنا يضربن بالدّف ، ويندبن من قتل من آبائي يوم بدر ، إذ قالت إحداهنَّ : وفينا نبيّ يعلم ما في غدِ ، فقال : ( دعي هذه ، وقولي بالذي كنت تقولين ) (1) .
فهذا الحديث يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد أنكر موضع الخطأ وهو قول الجارية : وفينا نبي يعلم ما في غدِ ، وعلّل ذلك عليه الصلاة والسلام – كما جاء عند ابن ماجه – بقوله : ( ما يعلم ما في غدٍ إلا الله )(2) وأشار عليهما بترك قولها السابق ثم ، قَبِلَ الباقي عليه الصلاة والسلام وهو المدح غير المبالغ فيه، وغير المذموم ، ولذلك قال - صلى الله عليه وسلم - كما عند الترمذي : ( اسكتي عن هذه وقولي الذي كنت تقولين قبلها ) (3).
وهذا النهي هو ما يتعلق بمدحه عليه الصلاة والسلام المدح المتجاوز فيه ، والمنهي عنه ، وهو الإطراء الذي ورد عنه النهي عنه صريحاً : ( لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى ابن مريم إنما أنا عبد الله ورسوله ) (4)(5).
وكذلك ورد مثل هذا في قوله - صلى الله عليه وسلم - لوفد بني عامر لما قالوا له : أنت سيدنا
(1) أخرجه البخاري في كتاب النكاح باب : ضرب الدّف في النكاح والوليمة حديث رقم (5147 ) .
(2) أخرجه ابن ماجه كتاب النكاح ، باب الغناء والدّف حديث رقم ( 1897 ) . والحديث صحيح حيث صححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجه برقم ( 1539 ) ، 1 / 320 .
(3) أخرجه الترمذي كتاب النكاح ، باب 6 : ما جاء في إعلان النكاح حديث رقم ( 1090 )
وصحح الحديث الألباني في صحيح سنن الترمذي برقم ( 870 ) ، 1 / 316 .
(4) تقدم تخريجه ص 260 .
(5) انظر فتح الباري : 9 / 110 .