458 للغزالي قراءة بحث و تحرير.
و كان ينبه على كثير من الأسرار و الغوامض فيها، مع ما يضيفه لذلك من ملح حكايات الأولياء، و مباحث الحقيقة المستعذبة و نكت أسرارها [المستعجلة]، و كثيرا ما كان يتمثل في أثناء ذلك بقوله:
و لمّا أنختها بذي الدّمث و اللّوى
و جاوزت أعلام العقيق و رائيا 1
نزلت بواد الجزع و الأيك ناعم
غضيض و صادفت النّسيم اليمانيا
و أرض ثراها المسك و النّبت مندل
ورند و كافور و قد كان عاريا
فقلت أرى الوادي خصيبا و ماؤه
أرى النّور من ضفّيه يعلوه ضافيا
فقيل سعاد أقبلت بين تربها
فخاضته حتّى صار بالنّور حاليا
و لما بلغت قوله فيالمنهاج: «و قد رأيت بمكة-حرسها اللّه-بعض المشايخ المنفردين من أهل العلم، و هو لا يحضر المسجد الحرام في الجماعات مع قربه منه و سلامة حاله، فحاورته في ذلك يوما في حال ترددي إليه، فذكر من عذره ما أشرنا إليه، و هو أن ما يجده من الثواب لا يفي بما يلحقه من الإثم و التبعات في الخروج للمسجد و لقاء الناس».
[357] قال: خذ بقول هذا الشيخ، و اعتزل الناس و أدخل عنهم، فقذف في قلبي/أنه ورّى بقرب أجله، فتمثلت بقول الشاعر و كان ذلك عشية:
تمتّع من شميم عرار نجد
فما بعد العشيّة من عرار 2
فاعتل علة وفاته، و لم يجلس للإقراء بعدها. و كان لا ينفك أثناء مرضه عن مسألة يدبرها أو حاجة يقضيها، إلى أن غاب عليه إغماؤه بنحو يوم أو يومين، فتوفي ليلة الاثنين لتسع بقين من رمضان سنة خمس عشرة و ألف.
و مولده-رضي اللّه عنه-بذي قعدة سنة ست و ثلاثين و تسعمائة، فعمره تسع و سبعون سنة إلا شهرا.
أخذ عن العالم العامل الشهير، فقيه جزولة أبي عبد اللّه محمد بن إبراهيم بن عمر بن ك، ط: المستعجلة.
1) من الطويل.
2) من الوافر.