تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والاعتناء بالفروق الفردية أمر لم تبتكره التربية المعاصرة، بل أشار إليه أسلافنا الأوائل وأدركوه وأوصوا المعلم به، قال النووي:«وينبغي أن يكون باذلاً وسعه في تفهيمهم، وتقريب الفائدة إلى أذهانهم، حريصاً على هدايتهم، ويفهم كل واحد بحسب فهمه وحفظه، فلا يعطيه ما لا يحتمله، ولا يقصر به عما يحتمله بلامشقة، ويخاطب كل واحدٍ على قدر درجته، وبحسب فهمه وهمته، فيكتفي بالإشارة لمن يفهمها فهماً محققاً، ويوضح العبارة لغيره ويكررها لمن لا يحفظها إلا بتكرار، ويذكر الأحكام موضحة بالأمثلة من غير دليل لمن لا ينحفظ له الدليل، فإن جهل دليل بعضها ذكره له»(1).

وكان السلف ربما خصوا بعض الطلاب بالتعليم والتحديث دون غيره. قال أبو عاصم:«ربما رأيت سفيان يجذب الرجل من وسط الحلقة فيحدثه بعشرين حديثاً والناس قعود»، قالوا: لعله كان ضعيفاً. قال:لا(2).

تاسعاً: التوجيه للتخصص المناسب:

عن زيد بن ثابت- رضي الله عنه - أن قومه قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم - :هاهنا غلامٌ من بني النجار حفظ بضع عشرة سورة، فاستقرأني فقرأت سورة ق، فقال:" إني أكتب إلى قوم فأخاف أن يزيدوا علي أو ينقصوا، فتعلم السريانية" فتعلمها- رضي الله عنه - في سبعة عشر يوماً، وفي رواية : خمسة عشر(3).

والأمة أحوج ما تكون إلى طاقات أبنائها وقدراتهم، فبدلاً من تشتيتها وبعثرتها، أليس من حق الطالب على أستاذه أن ينصح له ويوجهه لما يناسبه حين يبدع في فن دون غيره، ومن جانب آخر فالأمة لن تستغني عمن يسد ثغراتها، فالتخطيط السليم، والإعداد المتكامل يقضي أن توجه طاقات الأمة لسد هذه الثغرات، ومن أين يبدأ التوجيه إن لم يكن من التعليم؟

(1) المجموع شرح المهذب (1/31).

(2) أخرجه الرامهرمزي في المحدث الفاصل (785)

(3) رواه البخاري

المدرس ومهارات التوجيه · الصفحة ٢٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

المدرس ومهارات التوجيهص ٢٦