1
والحق أن الموقف قد كان حرجا، ولولا أن عليا ساس الأمور بحكمته لوقع المسلمون يومئذ في فتنة سوداء، ولاندك صرح الإسلام.
استقبل علي عليه السلام عام 36 للهجرة، وقد سمى عماله على الأمصار، فبعث عثمان بن حنيف إلى البصرة، وعمارة بن شهاب إلى الكوفة، وعبيد الله بن عباس إلى اليمن، وقيس بن سعد بن عبادة إلى مصر، وسهل بن حنيف إلى الشام، ومخنف بن سليم إلى أصفهان وهمذان؛ فأما سهل فإنه خرج حتى إذا كان في تبوك لقيته خيول أهل الشام، فقالوا له: من أنت؟ قال لهم: أنا أمير الشام بعثني علي أميرا، فقالوا له: ارجع إلى المدينة سالما بنفسك وإلا قتلت ومن معك، ورأى كثرة عددهم فرجع إلى المدينة.
وأما قيس بن سعد فإنه لما انتهى إلى أيلة لقيته خيل، فقالوا له: من أنت؟ قال: بعثني علي أميرا على مصر، فأدخلوه إليها، وافترق أهل مصر إلى ثلاث فرق: فرقة دخلت في الجماعة وبايعت عليا، وفرقة اعتزلت وقالت: إن قتل علي قتلة عثمان كنا معه وإلا فلا، وفرقة قالوا: نحن مع علي ما لم يقد إخواننا الذين اشتركوا في قتل عثمان.
وأما عثمان بن حنيف فإنه سار حتى دخل البصرة، فرأى الناس منقسمين إلى أقسام: قسم مع الجماعة، وقسم قال: نحن مع أهل المدينة نفعل ما يفعلون.
وأما عمارة بن شهاب فإنه لما بلغ مدينة زبالة لقيه طلحة بن خويلد الأسدي، وكان هذا قد خرج في طلب ثأر عثمان، فقال لعمارة: ارجع إلى من بعثك فإن القوم لا يريدون بأميرهم العثماني - وهو أبو موسى الأشعري - بديلا، فإن أبيت ضربت عنقك، فرجع عمارة إلى علي بالمدينة.
وأما عبيد الله بن عباس فانطلق إلى اليمن ودخلها. •••
أما علي عليه السلام فإنه كتب إلى معاوية يقول: «أما بعد: فإن الناس قد قتلوا عثمان عن غير مشورة مني، وبايعوني بمشورة منهم واجتماع، فإذا أتاك كتابي فبايع لي، وأوفد إلي أشراف أهل الشام قبلك.» فتلقى معاوية الكتاب وقرأه وطواه ولم يجب الإمام بشيء، وكان الرسول الذي أحضر الرسالة كلما تنجز معاوية ينشده قول الشاعر:
أدم إدامة حصن أو خذن بيدي
حربا ضروسا تشب الجزل والضرما
في جاركم وابنكم إذ كان مقتله
شنعاء شيبت الأصداغ واللمما
أعيا الحسود بها والسيدون فلم
يوجد لها غيرنا مولى ولا حكما
فلما مضى شهران ونصف دعا معاوية رجلا من عبس يقال له: قبيصة، فدفع إليه رسالة إلى الإمام، وقال له: إذا دخلت المدينة فأعلم الناس بمقدمك، فلما قدم المدينة قال لهم إنه قد جاء بجواب معاوية، فتبعوه، ودخل على علي ففض الرسالة، ولم يجد فيها شيئا سوى كلمة «بسم الله الرحمن الرحيم»، فقال للعبسي: ما وراءك؟ قال: أآمن أنا؟ قال : نعم، قال: تركت القوم لا يرضون إلا بالقود وقتل قتلة عثمان، وتركت ستين ألف شيخ يبكون تحت قميص عثمان وهو منصوب لهم قد ألبسوه قبر دمشق، وهم يطلبون رقبتك، فقال الإمام: أمني يطلبون دم عثمان؟ ألست موتورا بعثمان كترتهم به؟ اللهم إني أبرأ إليك من دم عثمان، ثم قال للعبسي: اخرج.
وفي هذه الفترة كتب معاوية كتابا إلى الزبير يقول له فيه: «من معاوية بن أبي سفيان إلى الزبير أمير المؤمنين، سلام عليك، أما بعد: فإني قد بايعت لك أهل الشام، فأجابوا، فدونك الكوفة والبصرة لا يسبقك إليهما ابن أبي طالب، فإنه لا شيء بعد هذين المصرين، وقد بايعت لطلحة من بعدك، فأظهرا الطلب بدم عثمان، وادعوا الناس إلى ذلك، وليكن منكما الجد والتشمير، أظفركما الله، وخذل مناوئكما.» فلما وصل الكتاب إلى الزبير فرح به كثيرا وأقرأه طلحة، فلم يشكا في صدق معاوية، وأجمعا على خلاف علي.
أما الإمام فإنه عزم على الحرب وقتال من لم يبايعه، واستدعى إليه ابنه محمد بن الحنفية، فدفع إليه لواء جيشه، وجعل عبد الله بن عباس على الميمنة، وعمر بن أبي مسلمة على ميسرته، وأبا ليلى بن الجراح على المقدمة، واستخلف على المدينة قثم بن عباس، وكتب إلى قيس بن سعد وعثمان بن حنيف وأبي موسى الأشعري أن يندبوا الناس لقتال مخالفيه، فاشتعلت نيران الحرب، وكانت أعظم هذه الحروب معارك: «الجمل» و«صفين» و«النهروان». (1) حرب الجمل