كانت السيدة عائشة بنت الصديق يوم مقتل عثمان بمكة، فضاقت ذرعا بهذا القتل الظالم، وقامت تطالب بالانتقام من القتلة، وتصيح بالناس: «إن الغوغاء من أهل الأمصار وعبيد أهل المدينة قد سفكوا الدم الحرام في الشهر الحرام واستحلوا البلد الحرام، وأخذوا المال الحرام في الشهر الحرام، والله لإصبع عثمان بن عفان خير من طباق الأرض أمثالهم ... والله لو أن الذي اعتدوا به عليه كان ذنبا لخلص منه كما يخلص الذهب من خبثه، أو الثوب من درنه، إذ ماصوه كما يماص الثوب بالماء - أي غسلوه.»
فلما سمع الناس ذلك تهيجوا وقال أحدهم، وهو عبد الله بن عامر الحضرمي، وكان عامل عثمان على مكة: ها أنا ذا أول طالب بدم عثمان، وتبعه بنو أمية، وقدم عليهم عبد الله بن عامر بن كريز من البصرة بمال كثير، كما قدم يعلى بن أمية من اليمن بستمائة بعير وستمائة ألف درهم، ولما رأى طلحة والزبير ذلك قالا لعلي: إننا نريد الخروج إلى مكة للعمرة، فقال لهما: والله إنكما لا تريدان العمرة، وإنما تريدان الغدرة ونكث البيعة، فحلفا له بالله أنهما لا يريدان الغدر، وجددا له بيعتهما بأشد ما يكون من المواثيق والأيمان، فأذن لهما، ولما خرجا قال لصحبه: والله لا ترونهما إلا في فتنة يقتلان فيها، فقال الصحب: مر بردهما عليك، فقال: ليذهبا وليقضي الله أمرا كان مفعولا.
ولما وصلا مكة قالا لعائشة: إننا قد تركنا في المدينة قوما حيارى لا يعرفون حقا ولا ينكرون باطلا، ولا يمنعون أنفسهم، ثم استقر رأيهم على الخروج إلى البصرة، فأتت عائشة أم سلمة، إحدى زوجات النبي
صلى الله عليه وسلم
تطلب إليها أن تخرج معها وتقول: يا أم سلمة، كنت كبيرة أمهات المؤمنين، وكان رسول الله
صلى الله عليه وسلم
يقمؤ - يعيش - في بيتك، وكان يقسم لنا في بيتك، وكان ينزل عليه الوحي في بيتك، فقالت لها أم سلمة: يا ابنة أبي بكر، لقد زرتني وما كنت زوارة، ولأمر ما تقولين هذه المقالة. فقالت: إن طلحة والزبير وعبد الله بن الزبير أخبروني أن الرجل قتل مظلوما، وأن بالبصرة مائة ألف سيف يطاوعون، فهل لك أن نخرج أنا وأنت لعل الله يصلح بنا فئتين متناحرتين؟ فقالت لها: يا عائشة، أبدم عثمان تطلبين وقد كنت أشد الناس عليه؟! وقد بايعه المهاجرون والأنصار، وإن عمود الإسلام لا ترأبه النساء إن انثلم - في كلام طويل.
فقالت لها عائشة: شتمتني يا أختي، فقالت لها أم سلمة: ولكن الفتنة إذا أقبلت غطت على البصيرة، وإذا أدبرت أبصرها العاقل والجاهل، ثم تركتها عائشة وأتت حفصة بنت عمر زوج رسول الله، فأجابتها إلى الخروج معها، ولكن أخاها عبد الله بن عمر منعها من ذلك، ثم نادى المنادي: إن عائشة وطلحة والزبير وجمهور المسلمين خارجون إلى البصرة، فمن أراد أن يعز دين الإسلام ويطلب بدم عثمان وليس له مركب ولا جهاز فليأت، ثم ساروا في نحو من ألف راكب، وقيل: بل كانوا ثلاثة آلاف، وكان في الطليعة: أبان بن عثمان، والوليد بن عثمان، ومروان بن الحكم، وسائر بني أمية.
قال ابن جرير الطبري: وأمرت على الصلاة عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد، وبعثت أم الفضل بنت الحارث زوج العباس بن عبد المطلب كتابا إلى أمير المؤمنين علي تخبره بالخبر مع ظفر الجهني، فلما قرأ الرسالة وعلم نكث الزبير وطلحة بالبيعة واجتماعهما مع عائشة، وقف فخطب الناس في المسجد وقال: «أما بعد: فإن الله بعث محمدا للناس كافة وجعله رحمة للعالمين، فصدع بما أمر ربه، وبلغ رسالات ربه فلم به الصدع، ورتق به الفتق، وآمن به السبل، وحقن الدماء، وألف به بين ذوي الإحن والعداوة، والوغر في الصدور والضغائن الراسخة في القلوب، ثم قبضه الله إليه حميدا، وكان من بعده ما كان من التنازع في الإمرة، فتولى أبو بكر، وبعده عمر، ثم تولى عثمان، فلما كان من أمره ما عرفتموه ثم أتيتموني فقلتم: بايعنا، فقلت: لا أفعل، فقلتم: بلى، فقلت: لا، وقبضت يدي فبسطتموها، ونازعتكم فجذبتموها، حتى تداككتم علي تداك الإبل الهيم على حياضها يوم ورودها، حتى ظننت أنكم قاتلي، وأن بعضكم قاتل بعضا، فبسطت يدي فبايعتموني مختارين، وبايعني في أولكم طلحة والزبير طائعين ثم مكرهين، ثم لم يلبثا أن استأذناني في العمرة، والله يعلم أنهما أرادا الغدرة، فجددت عليهما العهد في الطاعة، وألا يبغيا الأمة الغوائل، فعاهداني ثم لم يفيا لي، ونكثا بيعتي ونقضا عهدي، فعجبا لهما من انقيادهما لأبي بكر وعمر وخلافهما علي! ولست بدون أحد الرجلين، ولو شئت أن أقول لقلت: اللهم احكم عليهما بما صنعا في حقي وصغرا في أمري وظفرني بهما.»