تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والحق أننا إذا فحصنا ما صحت نسبته إلى الإمام عليه السلام مما نجده في المصادر الموثوق بها ككتب الطبري والمسعودي والجاحظ والشيخ المفيد وابن قتيبة وجدنا لعلي عليه السلام أثرا بارزا في الأدب العربي.

23

الفصل الثالث

| في أعماله الجليلة في خلافته

بويع الإمام بالخلافة يوم الجمعة لخمس بقين من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين للهجرة؛ وذلك أنه لما قتل عثمان (رضي الله عنه) اجتمع أصحاب النبي من المهاجرين والأنصار، وفيهم طلحة والزبير، فأتوا الإمام وقالوا له: إنه لا بد للناس من إمام، وإنك أفضل من بقي لها، فقال لهم: لا حاجة لي في إمارتكم، فاختاروا أحدا أبايعه، فقالوا: ما نختار غيرك، وترددوا إليه مرارا، ثم قالوا له : ما نجد أحدا أحق بالخلافة منك، فإنك أقدمنا سابقة للإسلام، وأقربنا قرابة من رسول الله، فقال: لا تفعلوا فلأن أكون وزيرا خير من أن أكون أميرا، فقالوا: لا والله ما نحن بتاركيك حتى نبايعك، ثم قبل وذهب بهم إلى المسجد النبوي، فأقبل المهاجرون والأنصار فبايعوه، ثم بايعه عامة الناس.

ولم يستقبل المسلمون خلافة الإمام علي بمثل ما استقبلوا به خلافة عثمان؛ فقد كان عثمان سمحا سهلا معهم، أما الإمام فكان شديدا عنيفا.

وليس غريبا ألا يستقبل جمهور الناس خلافة الإمام عليه السلام إلا قلقين عابسين، وزاد في هذا القلق والعبوس أن الثوار الذين قتلوا الخليفة عثمان ما زالوا في المدينة، بل إنهم هم أصحاب السلطان الفعلي في عاصمة الخلافة، وكذلك كان الحال في بعض الأمصار وبخاصة الشام، فإنهم كانوا يؤمنون بأن الخليفة الجديد مقدم على مشاكل، وأنه يجب عليه القضاء على الفتنة وتنفيذ حكم الشرع في قتلة الخليفة السابق، ولكنه لن يستطيع ذلك، الآن على الأقل.

بايع الناس عليا إلا أهل الشام ونفر من كبار الصحابة المهاجرين والأنصار، فإنهم تخلفوا عن بيعته، ويروي الطبري بسنده إلى عبد الله بن الحسن أنه قال: بايعت الأنصار والمهاجرون عليا إلا نفر منهم: عبد الله بن عمر، وحسان بن ثابت، وسعد بن أبي وقاص، وكعب بن مالك، ومسلمة بن مخلد، وأبو سعيد الخدري، ومحمد بن مسلمة، والنعمان بن بشير، وقدامة بن مظعون، وزيد بن ثابت، ورافع بن خديج، وأسامة بن زيد، وفضالة بن عبيد، وعبد الله بن سلام، والمغيرة بن شعبة، وصهيب بن سنان، وكعب بني عجرة؛ فقد كان هواهم مع عثمان، وأخذ النعمان بن بشير أصابع السيدة نائلة - امرأة عثمان - التي قطعت يوم مقتله، كما أخذ قميص عثمان الذي قتل فيه، وهرب إلى الشام وأعطاه لمعاوية، فعلقه على المنبر، كما علق الأصابع، فلما رأى أهل الشام ذلك المنظر ازدادوا غيظا على قتلة عثمان، ثم رفع معاوية القميص والأصابع، وكان كلما أحس منهم بفتور أخرجه مع الأصابع وعلقه على المنبر ليثير صدورهم، ويحرك كوامن حقدهم، ومما زاد الأمر اضطرابا أن عمرو بن العاص كان يسير بين بلاد الشام محرضا على قتلة عثمان، وهرب كثير من بني أمية الذين كانوا في المدينة إلى مكة.

ولما تمت بيعة من بايع وقف الإمام فخطب الناس وقال: أيها الناس، إنكم بايعتموني على ما بويع عليه من كان قبلي، وإنما الخيار للناس قبل أن يبايعوا، فإذا بايعوا فلا خيار لهم، وإن على الإمام الاستقامة، وعلى الرعية التسليم، وهذه بيعة عامة، من رغب عنها رغب عن دين الإسلام، واتبع غير سبيل أهله، ولم تكن بيعتكم إياي فلتة، وليس أمري وأمركم واحدا، وإني أريدكم لله، وأنتم تريدونني لأنفسكم، وايم الله لأنصحن للخصم، ولأنصفن المظلوم، وقد بلغني عن سعد وابن مسلمة وأسامة وعبد الله وحسان أمور كرهتها، والحق بيني وبينهم، والسلام.

ولم يكن تخلف هؤلاء النفر عن بيعة الإمام لأنهم كانوا يعتقدون عدم أهليته للخلافة، بل لشبهة دخلت عليهم، يقول العلامة المرحوم السيد محسن الأمين: «إن امتناع من امتنع عن بيعته عليه السلام ليس لاعتقادهم عدم أهليته للخلافة ولا عنادا، بل لشبهة دخلت عليهم، فابن عمر وسعد ظنا أنها فتنة والأرجح عدم الدخول فيها، ثم بان لهما خطؤهما وندما على ترك القتال، وعدا أنفسهما مذنبين، وأسامة دخلت عليه شبهة عدم جواز قتل من أظهر الإسلام، ولم يتفطن للفرق بين المقامين وأنها شبهة واهية.»

عصر الخلفاء الراشدين: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثالث) · الصفحة ٨٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الخلفاء الراشدين: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثالث)ص ٨٨