18
وكان يرى أن خير السياسة هي سياسة الشورى والمداولة مع أولي الحل والعقد من عقلاء الأمة، قال: «من استبد برأيه هلك، من شاور الرجال شاركها في عقولها.» وأما آراؤه في العمال والقضاة فخلاصتها أنه يطلب إليهم أن يتخلقوا بالتواضع والمواساة والمساواة بين الناس، وأن يكون آثرهم عندهم أفضلهم وأقولهم للحق وأبعدهم عن الأشرار، قال يوصي الأشتر النخعي لما ولاه على مصر: «إن شر وزرائك من كان للأشرار وزيرا، ومن شركهم في الآثام، فلا يكون لك بطانة، فإنهم أعوان الأثمة، وإخوان الظلمة، وأنت واجد فيهم خير الخلف ممن له مثل آرائهم ونفاذهم، وليس عليه مثل آصارهم وأوزارهم ممن لم يعاون ظالما على ظلمه، ولا آثما على إثمه ... فاتخذ أولئك خاصة لخلواتك وحفلاتك، ثم ليكن آثرهم عندك أقولهم بمر الحق لك، وأقلهم مساعدة فيما يكون منك مما كره الله لأوليائه ... ثم رضهم على ألا يطروك، ولا يبجحوك بباطل لم تفعله، فإن كثرة الإطراء تحدث الزهو.»
19
وأما القضاة فكان له معهم شأن عظيم، ومن أجمع وصاياه إليهم قوله في كتاب عهد الأشتر النخعي: «اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك ممن لا تضيق به أمور ولا تمحكه الخصوم، ولا يتمادى في الزلة، ولا يحصر من الفيء إلى الحق إذا عرفه، ولا تشرف نفسه على طمع، ولا يكتفي بأدنى فهم دون أقصاه، وأوقفهم في الشبهات، وآخذهم بالحجج، وأقلهم تبرما بمراجعة الخصم، وأصبرهم على تكشف الأمور، وأحزمهم عند اتضاح الحكم، ممن لا يزدهيه إطراء، ولا يستميله إغراء، وأولئك قليل، ثم أكثر تعاهد قضائه، وأفسح له في البذل ما يزيل علته، وتقل معه حاجته إلى الناس، وأعطه من المنزلة عندك ما لا يطمع فيه غيره من خاصتك؛ ليأمن بذلك اغتيال الرجال له عندك، فانظر في ذلك نظرا بليغا.»
20
فأنت ترى في هذه المقطوعة دستورا من دساتير الفصاحة والقضاء لا يقل كمالا عن أحدث ما وصلت إليه أرقى الأمم المتمدنة في عصرنا هذا.
أما رأيه في المرأة وأحوالها فهو شديد قاس عليها، وهو الذي قال: «المرأة شر كلها، وشر ما فيها أنه لا بد منها.»، وقال: «خيار خصال النساء شرار خصال الرجال.» وقال: «يا معشر الناس، إن النساء نواقص الإيمان، نواقص الحظوظ، نواقص العقول، فأما نقصان إيمانهن فقعودهن عن الصلاة والصيام في أيام حيضهن، وأما نقصان عقولهن فشهادة امرأتين كشهادة رجل واحد، وأما نقصان حظوظهن فمواريثهن على الأنصاف من مواريث الرجال، فاتقوا شرار النساء، وكونوا من خيارهن على حذر، ولا تطيعوهن في المعروف حتى لا يطمعن في المنكر.»
21
ولكنه مع هذه الشدة في الحكم على المرأة كان رحيما بها، مشفقا عليها، راحما ضعفها؛ فقد قال من خطبته لجنده وهم بصفين: «لا تهيجوا النساء بأذى وإن شتمن أعراضكم وسببن أمراءكم، فإنهن ضعيفات القوى والأنفس والعقول، وإن كنا لنؤمر بالكف عنهن وإنهن لمشركات، وإن كان الرجل ليتناول المرأة في الجاهلية بالقهر أو الهراوة فيعير بها وعقبه من بعده.»
22 •••
هذه آراء الإمام عليه السلام في الدين والدنيا. أما آثاره في الحياة فجليلة، ومن أعظمها آثاره في الأدب العربي، فقد رأيت قبسا من نور أدبه الذي لا يضاهيه أي قبس حاشا القرآن الكريم والحديث النبوي؛ لأنه عليه السلام كان أفصح الناس بعد الرسول، وأشدهم قوة على التعبير الفصيح، وأبرعهم حجة في الخطابة، وأملكهم لعنان اللغة واطلاعا على مفرداتها، يتصرف بها كما يريد، وهو الذي تربى في حجر النبي
صلى الله عليه وسلم
فأفاد من البلاغة النبوية، والحكمة الإلهية، ووعى ما لم يعه غيره من كلام الرسول وحالاته وحركاته في خطبه ومجالسه وأماليه، فلا غرو أن يصبح كعبة يحج إليها طلاب البيان الرفيع والفصاحة العالية، وهكذا قد كان؛ فقد تأثر الناس به في عصره وفي العصور التي جاءت بعده، فما من خطيب، وما من كاتب ولا من شاعر إلا نهل من معينه الصافي، وطبع على غراره السامي، وهذا عبد الحميد بن يحيى إمام الكتاب يجيب من سأله عن سر قدرته على الكتابة بقوله: «ضغط كلام الأصلع.» وهذا ابن المقفع يقول: «شربت الخطب العلوية ريا، ولم أضبط لها رويا، ففاضت ثم غاضت، فلا هي كلاما وليس غيرها نظاما.»