صلى الله عليه وسلم
إلى المدينة كما رأينا، مع معرفته بأن قريشا تريد قتل الرسول في تلك الليلة، وكان الإمام من أشد الناس وطأة على المشركين في الغزوات التي لم يتخلف عن واحدة منها، وعلى يديه الطاهرتين فتحت خيبر رغم شدة تحصينها، وكان زاهدا عفيفا، حريصا على ألا يضيع أموال المسلمين، مؤثرا للخشونة، ومن أقواله في ذلك: تزوجت بفاطمة وما لي فراش إلا جلد كبش ننام عليه ...
وروى هارون بن عنزة عن أبيه قال: دخلت على علي بالخورنق، والفصل شتاء، وعليه خلق قطيفة وهو يرعد منه، فقلت: يا أمير المؤمنين، إن الله جعل لك ولأهلك في هذا المال نصيبا، وأنت تفعل هكذا بنفسك؟ فقال: والله ما أرزأكم شيئا، وما هي إلا قطيفتي التي أخرجتها من المدينة.
5
وأما علمه؛ فقد كان في أسمى الدرجات، وكان على جانب عظيم من الثقافة العربية الشائعة في ذلك الحين، وكان من أعلم الصحابة إن لم يكن أعلمهم بالقرآن والسنة وأحكام الدين، وقد روي عن النبي عليه الصلاة والسلام قوله: «أنا مدينة العلم وعلي بابها.» وكان عبد الله بن مسعود يقول: «أفرض أهل المدينة وأقضاها علي.»
6
وكان أبو بكر وعمر وعثمان يرجعون إليه في المشاكل العلمية والقضائية، وفي كثير من معرفة أحكام الدين، وكان عبد الله بن عمر يقول: «أعوذ من معضلة ليس لها أبو الحسن.»
7
وأما فصاحته، فكانت في أعلى الدرجات، بل كانت مضرب الأمثال، وكان يلقي بالقول فيأخذ بمجامع القلوب، ويخطب الخطبة فيثير النفوس، كما كان أشعر الخلفاء الراشدين. روى السيوطي في «تاريخ الخلفاء» أن أبا بكر الصديق كان يقول الشعر، وأن عمر كان يقوله، وأن عثمان كان يقوله أيضا، وكان علي عليه السلام أشعرهم،
8
وسنرى تفصيل هذا فيما بعد.
وأما أدبه فقد كان عليه السلام أفصح العرب؛ لأنه تربى في حجر الرسول
صلى الله عليه وسلم ، وتأثر به وبالقرآن كل التأثير من نعومة أظفاره، زد على ذلك تلك الهبة الإلهية التي يصطفي الله بها من يشاء من خلقه، فتنفجر بذلك منهم ينابيع البلاغة؛ كل هذه الأسباب، وكذلك الأحوال السياسية جعلت منه خطيبا فصيحا، وإماما من أئمة البيان، وهو كما قال الشريف الرضي: مشرع الفصاحة وموردها، ومنشأ البلاغة ومولدها، ومنه عليه السلام ظهر مكنونها، وعنه أخذت قوانينها، وعلى أمثلته حذا كل قائل خطيب، وبكلامه استعان كل واعظ بليغ، ومع ذلك فقد سبق وقصروا، وتقدم وتأخروا، ولأن كلامه عليه السلام الكلام الذي عليه مسحة من العلم الإلهي، وفيه عبقة من الكلام النبوي.
9
وقد كان للفتنة التي وقعت بينه وبين معاوية أثرها القوي في إنتاجه عليه السلام وشيعته إنتاجا أدبيا عجيبا، كما كان لها الأثر العظيم في إنتاج الأمويين وجماعتهم وإن شقي بها المسلمون دهرا طويلا، وإنك لترى مصداق هذا إذا ما قرأت في «نهج البلاغة» قوله في بني أمية: «ألا إن أخوف الفتن عندي عليكم فتنة بني أمية، فإنها فتنة عمياء مظلمة، عمت خطتها، وخصت بليتها، وأصاب البلاء من أبصر فيها، وأخطأ البلاء من عمي عنها، وايم الله لتجدن بني أمية بكم أرباب سوء بعدي، كالناب الضروس تعذم بفيها، وتخبط بيدها، وتزبن برجلها، وتمنع درها، لا يزالون بكم حتى لا يتركوا منكم إلا نافعا لهم أو غير ضائر بهم، ولا يزال بلاؤهم حتى لا يكون انتصار أحد منكم إلا كانتصار العبد من ربه، والصاحب من مستصحبه، ترد عليكم فتنتهم شوهاء مخشية، وقطعا جاهلية، ليس فيها منار هدى، ولا علم يرى، نحن أهل البيت منها بمنجاة، ولسنا فيها بدعاة، ثم يفرجها الله عنكم كتفريج الأديم بمن يسومهم خسفا، ويسوقهم عنفا، ويسقيهم بكأس مصبرة لا يعطيهم إلا السيف، ولا يجلسهم إلا الخوف.»
10
ومن ذلك قوله عليه السلام في عمرو بن العاص: «عجبا لابن النابغة يزعم لأهل الشام أن في دعابة، وأني امرؤ تلعابة، أعافس وأمارس، لقد قال بطلا، ونطق إثما، أما - وشر القول الكذب - إنه ليقول فيكذب، ويعد فيخلف، ويسأل فيلحف، ويسأل فيبخل، ويخون العهد، ويقطع الإل، فإذا كان عند الحرب فأي زاجر وآمر هو؟! ما لم تأخذ السيوف مأخذها، فإذا كان ذلك كان أكبر مكيدته أن يمنح القرم سبته، أما والله إني ليمنعني من اللعب ذكر الموت، وإنه ليمنعه من قول الحق نسيانه الآخرة، وإنه لم يبايع معاوية حتى شرطه أن يؤتيه أتية، ويرضخ له على ترك الدين رضيخة.»