تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولما حم القضاء وقتل عثمان شهيدا دعا المسلمون الإمام عليا إلى أن يلي الخلافة، فكره ذلك أول الأمر لما رأى من اضطراب الأمة وانتشار روح الفوضى والفتنة بين صفوفها، ولكنه عاد فرضي بذلك في اليوم الخامس والعشرين من شهر ذي الحجة سنة 53ه.

وقد نقل المؤرخ الهندي الثقة السيد أمير علي عن المؤرخ الفرنسي سديو أنه قال: يخيل للمرء حينما بويع الإمام علي بن أبي طالب أن الكل سيطأطئ هامته أمام هذه العظمة المتلألئة النقية، غير أنه قد كان قدر غير ذلك،

1

وقد علق السيد أمير علي على هذا الكلام بقوله: «فلقد أحاط به في بادئ الأمر أعداء بني أمية، ولكنه لم يحتط للدسائس، وأبى أن يقر عمال عثمان مدفوعا بشرف الغاية التي كانت من أبرز مميزاته، وبرغم النصائح التي أسديت إليه لمسايرة الظروف فقد انتزع الأملاك التي أقطعها عثمان لأتباعه من بيت المال، وقسم الخراج طبقا للقواعد التي سنها عمر، فجلبت عليه هذه الإجراءات الحازمة سخط من أثروا في العهد السابق، وقد تنازل بعض العمال عن مناصبهم دون مقاومة، بينما رفض آخرون النزول على أمر الخليفة الجديد، ومن بينهم معاوية بن أبي سفيان.»

2

ولقد قام علي بأعباء الخلافة خمس سنوات، ولكن الاضطرابات لم تجعله يستريح يوما واحدا منها؛ فقد انقسم الناس في أمر بيعته، فقبل بعضهم بها، وتردد آخرون، كسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر، وتخلف آخرون، كحسان بن ثابت الشاعر، وأبي سعيد الخدري، وهرب بعض إلى الشام، كالمغيرة بن شعبة، ولكن البيعة تمت بالأغلبية الساحقة، وأول من بايعه عليه السلام هما: طلحة والزبير، ثم المهاجرون والأنصار، ثم بقية الناس.

3

وأول ما لقي عليه السلام من العقبات: خروج عائشة الصديقة عليه للمطالبة بدم عثمان، وقد انضم إليها نفر من كبار المهاجرين، وفي طليعتهم طلحة والزبير، فخرجت بجمع إلى البصرة تستنجد بأهلها، ولحق بها الإمام عليه السلام، والتقى الجمعان في منتصف جمادى الآخرة سنة 36ه على ما نفصله فيما بعد.

ثم إن الإمام بعث إلى معاوية في الشام يطلب إليه ألا يشق عصا الطاعة، فلما لم يصغ لقوله سار إليه من الكوفة إلى صفين في تسعين ألف مقاتل لخمس بقين من شوال سنة 36ه، وسار معاوية في خمسة وثمانين ألفا،

4

والتقى الجيشان بصفين، وكادت الدائرة تدور على أهل الشام، وكاد معاوية أن يفر من المعركة لولا أنه - فيما يروى عنه - تذكر أبيات ابن الإطنابة، وهي قوله:

أبت لي عفتي وأبى بلائي

وإقدامي على البطل المشيح

وإعطائي على المكروه مالي

وأخذي الحمد بالثمن الربيح

وقولي كلما جشأت وجاشت

مكانك تحمدي أو تستريحي

وأدرك عمرو بن العاص خطورة الموقف، فأشار على معاوية برفع المصاحف على الرماح والسيوف، وأن ينادي: هذا كتاب الله بيننا وبينكم، فانخدع العراقيون بذلك، وكان أمر التحكيم على ما سنفصله.

وبعد أن تم أمر التحكيم انصرف أهل الشام إلى معاوية يسلمون عليه بالخلافة، وانصرف العراقيون متفرقين واضطربوا على الإمام، بل خرجت منهم طائفة عليه تحاربه.

وشتان بين أنصار الإمام وأنصار معاوية؛ فقد ذهب أولئك مشتتي الكلمة، وذهب هؤلاء صفا واحدا، وقد أراد الإمام عليه السلام أن يعود ثانية لمحاربة معاوية، ولكن الخوارج أفسدوا عليه أمره؛ لأنهم ساروا نحو «المدائن» يفسدون الحرث والنسل ويحملون عليه، فاضطر إلى أن يلحق بهم ويحاربهم، ويقتل منهم مقتلة كثيرة في النهروان، وكانت حوادث النهروان السبب في مقتل الإمام عليه السلام كما سنشرح ذلك بعد. (1) مزاياه النبيلة عليه السلام

كان الإمام على جانب عظيم من المزايا الخلقية والخلقية الرفيعة كما أسلفنا، وكانت الشجاعة أبرز تلك المزايا؛ فقد كانت جرأته مضرب الأمثال، وليس أدل على ذلك من مخاطرته بنفسه ليلة هجرة الرسول

عصر الخلفاء الراشدين: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثالث) · الصفحة ٨٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الخلفاء الراشدين: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثالث)ص ٨٣