11
ففي هاتين الفقرتين اللتين أوردناهما من كلامه عليه السلام نرى قدرة عجيبة على البيان والخطابة، وانتقاء الألفاظ، ووضعها في مواضعها، وليس من شك في أن لصفاء ذهنه وسمو عقله وتربيته الأدبية الراقية أثرا كبيرا في ذلك، وليس أدل على صفاء ذهنه وسمو عقله مما يروى عنه أنه كان يصف الناس وحالاتهم النفسية، ويقرأ ما تكنه صدورهم، ويدرك ما تخفيه نفوسهم، ولعل كثرة مرافقته للرسول وتأدبه بأدبه واقتباسه من نوره قد أثر فيه هذا التأثير الطيب؛ فأنت ترى في خطبه ومناقشاته ووعظه ورسائله روحا جديدة كل الجدة عما كنت تراه في الآثار الأدبية العربية من قبل، وهو وراء هذا كله قد ضرب بسهم وافر في كل شأن من شئون الحياة الاجتماعية إذ ذاك، فإذا تكلم عن الزهد كان أخبر المتكلمين فيه، وإذا قال في ذم الدنيا وأهلها جاءك بالقول الفصل، وإذا حرض على القتال ومحو الفتنة كان سيد القائلين، وإذا أوصى أو حذر كان خير المتحدثين، كل هذا قد جاءه من حسن خبرته بالحياة، ومن نفسه الصافية، وأدبه منبعث عن فصاحة وبيان صادرين عن قلب عارف وعقلية سامية، وثقافة عربية إسلامية واسعة؛ فبينا هو يحدثك بأسلوب عليه مسحة من القرآن وبلاغته إذا هو ينتقل بك طفرة إلى أسلوب فيه قوة الجاهلية وجزالتها وتشبيهاتها وصورها، وهذه قدرة على البيان والخطابة لا نعرفها في أحد من العرب قبله أو بعده إلا في الرسول
صلى الله عليه وسلم .
وأما كتابته فلم تكن أقل إتقانا من خطابته، وهو إذا كتب كان يسلك مسلكا فنيا، يطيل حين يكتب ما تنبغي الإطالة فيه من عهد أو تولية يذكر فيهما بإسهاب ما ينبغي أن يكون عليه العامل الوالي من حسن السياسة وإدارة البلاد، ويوجز حين يرى الإيجاز أبلغ، وأنه لا فائدة من الإطالة، ودليلنا على ذلك أنك إذا قرأت له عهده الذي كتبه للأشتر النخعي حين ولاه مصر وأعمالها وقت اضطراب أمر محمد بن أبي بكر الصديق فيها،
12
أو قرأت كتابه إلى عامله على البصرة عثمان بن حنيف الأنصاري،
13
وجدت فيهما على طولهما طريقة فنية عجيبة في الكتابة والخيال الرائع والسجع الجميل المقبول، وتضمين ذلك شعرا وأمثالا وحكما، فالإمام عليه السلام في رأينا هو أول كاتب فني ظهر في الإسلام، ومنه استقى عبد الحميد بعده، وعلى غراره طبع ابن المقفع قوله، وعنه أخذا أسلوبهما، وبكلامه وطريقته الفنية تأثرا.
ولم يكن عليه السلام خطيبا وكاتبا وحسب، بل كان حكيما مفكرا، بل لعله أول مفكر ظهر في الإسلام، وتبصر في الحياة، وقال فيها أقوالا تدل على عقل حكيم، وفكر صائب، والحق أن حكمة الإمام تتجلى واضحة فيما أثر عنه من الحكم والنصائح، ونحن إذا رحنا نستقصي ما صح من آثاره نرى أن حكمته عليه السلام تنحصر في الموضوعات التالية: (1)
رأيه في الخالق سبحانه، وتقديسه وتنزيهه وتحليل صفاته. (2)
رأيه في المؤمن، وما يجب أن يكون عليه من صفات ومزايا تقربه من الله تعالى. (3)
إرشاداته للإنسان فيما ينبغي له عمله حتى يعيش بين إخوانه عيشة سعيدة كلها إخاء ومحبة. (4)
نصائحه للإنسان في تحديد واجباته نحو نفسه. (5)
رأيه في السياسة والحكومة والقضاء. (6)
رأيه في المرأة وأحوالها.
أما رأيه في الخالق فيتجلى في كثير من خطبه، فمن ذلك قوله: «الحمد لله الذي لا يبلغ حرمته القائلون، ولا يحصي نعماءه العادون، ولا يؤدي حقه المجتهدون، الذي لا يدركه بعد الهمم، ولا يناله غوص الفطن، الذي ليس لصفته حد محدود، ولا نعت موجود، ولا وقت معدود، ولا أجل محدود، فطر الخلائق بقدرته، ونشر الرياح برحمته، ووتد بالصخور ميدان أرضه، أول الدين معرفته، وكمال معرفته التصديق به، وكمال التصديق به توحيده، وكمال توحيده الإخلاص له، وكمال الإخلاص له نفي الصفات عنه ... كائن لا عن حدث، وموجود لا عن عدم، مع كل شيء لا بمقارنة، وغير كل شيء لا بمزايلة.»