4
ومهما يكن من أمر فإنه قد أسلم وقت ميلاد العقيدة الإسلامية؛ لأنه كان في حجر النبي الكريم حين إعلان الدعوة الجديدة، وكان النبي يرعاه خير رعاية، ويعلمه معالم الحنيفية، فملأ الدين قلبا خاليا إلا من الفطرة السليمة، طاهرا لم يكدره وضر الجاهلية، ولا أفسدته تقاليد الوثنية.
وهكذا نشأ الإمام علي عليه السلام في بيت النبي
صلى الله عليه وسلم
فأحسن تعهده، وغذاه بروح الإسلام السمحة، وخلقه بأخلاق النبوة الطاهرة، فتغذى بذلك أحسن تغذية، وتخلق به أمكن تخلق، وهكذا يثبت ما يقال من أنه عليه السلام أول مسلم تمكن الإسلام من قلبه فلم يخالطه أوضار الوثنية، وأنه أول مسلم تعشق الإيمان قلبه تعشقا صادقا عميقا قويا ، جعله يضحي بكل شيء في سبيله، ويبذل راحته وروحه وماله وولده، وتسلسلت التضحيات منه ومن بنيه في خدمة الإسلام والذب عن تعاليمه منذ فجر يومه الأول، وستستمر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
إن في سيرة ابن أبي طالب وابنه الحسين - نضر الله وجهه - لعبرة لا تنفد، وهما كما قال فيلسوف الإسلام وشاعره أبو العلاء:
وعلى الأفق من دماء الشهيدي
ن علي ونجله شاهدان
فهما في أواخر الليل فجرا
ن وفي أولياته شفقان
وإن في تاريخ آل أبي طالب جميعا سجلا للبطولات والتضحيات في سبيل هذه الأمة العربية المسلمة، تبلى الأيام والليالي ولا يبلى؛ لما يجد المتعمق في دراسته من معالم قوة الإيمان، وصدق الإحسان، والإخلاص الواضح، والتفاني في رفع شأن كلمة الله وخدمة العروبة خاصة والأمة الإسلامية عامة.
الفصل الثاني
| في إجمال حياته وسيرته عليه السلام
ولد علي عليه السلام في السنة الثانية والثلاثين من ميلاد الرسول؛ أي: سنة إحدى وعشرين ق.ه. ولما بعث الرسول بالنبوة كان علي دون سن البلوغ، وكان يساكنه في منزله كما أسلفنا، وقد كفله رسول الله وعني بأمره، ونشأه في بيته نشأة إسلامية، فلم يتدنس بدنس الجاهلية، وتهذب بآداب الديانة المحمدية، وكان ذا نفس كريمة طاهرة، شجاعا لا تلين قناته، ولما هاجر الرسول من مكة إلى المدينة فداه علي بنفسه ونام في فراشه ليوهم أن الرسول لم يزل نائما فلا يتبعه المشركون المتآمرون عليه ويفسدون خطة الهجرة إلى المدينة كما رسمها الرسول لنفسه، ثم لحقه بعد قليل إلى المدينة وشهد معه كل غزواته إلا غزوة تبوك، فإنه
صلى الله عليه وسلم
استخلفه فيها على أهل بيته، ولما رأى في وجهه كرها لذلك ولبقائه مع النساء والولدان قال له
صلى الله عليه وسلم
يطيب نفسه: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبوة بعدي؟
وقد زوجه الرسول
صلى الله عليه وسلم
ابنته فاطمة عليها السلام في السنة الثانية من الهجرة، فولد له منها: الحسن، والحسين، وزينب الكبرى، وأم كلثوم (رضي الله عنهم).
وناب عن الرسول في قراءة أوائل سورة التوبة في موسم الحج إيذانا ببراءة الله ورسوله من المشركين، ولما توفي رسول الله وبويع أبو بكر، بايعه علي مع أنه كان يرى لنفسه حق الخلافة عن رسول الله لشدة قرابته منه، ولكنه كره انقسام المسلمين وتفريق كلمتهم.
ولما ولي عمر بايعه كذلك وزوجه ابنته، وكان عمر كثيرا ما يستخلفه على المدينة إذا ما غاب عنها، ولما أحس عمر بدنو أجله - على ما أسلفناه - كان يحب أن يخلف عليا عليه السلام لما يعهده فيه من الحنكة والإخلاص وقوة الشكيمة، ولكنه لم يفعل ذلك؛ لأنه خشي فيما يظهر أن يفرض على المسلمين رأيه، وليته فعل، وإنما ترك للمسلمين أنفسهم يختارون من يشاءون لخلافة رسول الله، ووكل هذا الأمر إلى جماعة من أشراف المسلمين وعقلائهم، وبعد اجتماع هؤلاء وتداولهم في الأمر قر رأيهم على انتخاب عثمان بن عفان كما سبق تفصيله فيما سلف.
وفي أيام عثمان ظهرت الاضطرابات السياسية، وقام الثوار على عثمان؛ لأنه عزل معظم العمال الذين كان عمر قد ولاهم واستعاض عنهم بعمال من أقربائه وعشيرته، وكان الإمام علي عليه السلام كثيرا ما يشير على عثمان ويرشده إلى سبيل الخير وطرق الصلاح ما استطاع إلى ذلك سبيلا، ولكنه لم يسمع منه، فانصرف الإمام علي إلى تثقيف جمهور المسلمين هو وابن عمه عبد الله بن عباس، فكانا يقومان بوعظ الناس وتحليق الحلقات العلمية والدينية والأدبية، ولعل هذا هو أول نواة للحركة العلمية المنظمة في الإسلام على ما سنبينه فيما بعد.