وأما محمد بن أبي بكر فقد كان ربيب الإمام علي عليه السلام؛ لأنه كان تزوج أمه أسماء بنت عميس بعد وفاة أبي بكر، وكان محمد بن أبي بكر والحسين بن علي عديلين؛ لأنهما تزوجا ابنتي يزدجرد الثالث ملك فارس، فلذلك انضم إلى الحركة العلوية، ولما علم محمد بن أبي بكر بأن مروان بن محمد كاتب عثمان قد كتب إلى عامل مصر ابن أبي سرح أن يقتل محمد بن أبي بكر ازدادت نقمته على عثمان، وأخذ يحرض الناس عليه.
ولما بلغت عثمان أنباء هذه الاضطرابات والأقوال في مصر والبصرة والكوفة رأى أن يتحقق أسبابها بنفسه، فبعث محمد بن سلمة إلى الكوفة، وأسامة بن زيد إلى البصرة، وعمار بن ياسر إلى مصر، كما أراد أن يتبين حقيقة الحال في الشام فبعث عبد الله بن عمر إليها، وذهب كل إلى حيث بعث به، ورجع الجميع إلا عمارا، فإن الثوار استمالوه إلى صفوفهم، وبين كل من محمد بن سلمة، وأسامة بن زيد، وابن عمر، أسباب هذه الفتنة وما ينقمه الناس على عثمان، وأن سبب ذلك كله هو السخط الذي سببه ضعف الخليفة ولينه واستبداد قريش بالأمر، فأراد عثمان إصلاح الأمر، ولكن الوقت كان قد فات، فإن ابن سبأ قد اتفق هو وابن حذيفة على أن يكتب إلى ثوار العراق أن يشخصوا إلى المدينة، واتفقوا على وقت معين على ذلك، فذهب ثوار مصر إلى الحجاز، واجتمعوا في الوقت المعين بثوار العراق خارج المدينة، وأخذوا يبحثون في الأمور، واتفقوا على وجوب خلع عثمان واستخلاف آخر مكانه، فقال الكوفيون: نوليها طلحة، وقال البصريون: نوليها الزبير، وقال المصريون: بل علي بن أبي طالب. ولكن عثمان بعث إليهم فاستدعاهم وفدا وفدا، فأما أهل مصر فإنه استدعاهم وألان لهم القول، واتفق وإياهم على تلبية كل ما طلبوه، فقفلوا راجعين إلى مصرهم، وبينما هم في الطريق رأوا راكبا يتعرض لهم تارة ويفارقهم تارة أخرى، فتعقبوه وفتشوه فوجدوا معه كتابا على لسان عثمان وعليه خاتمه إلى عامله على مصر يأمره فيه أن يستأصل شأفة هذا النفر من الثوار المصريين، وبخاصة محمد بن أبي بكر، وابن أبي حذيفة، فقفلوا راجعين إلى المدينة ودخلوا على عثمان وأروه الكتاب، فحلف أنه لا علم له به، فطلبوا منه أن يسلم إليهم كاتبه مروان بن محمد فأبى أن يسلمهم إياه، فرجعوا إلى إخوانهم من ثوار الكوفة والبصرة، واتفقوا على خلع عثمان.
وأتى المصريون عليا وأعلموه بما عزموا عليه، فصاح بهم وطردهم، وقال لهم: لقد علم الصالحون أنكم ملعونون على لسان محمد
صلى الله عليه وسلم ، وكذلك فعل طلحة والزبير، فانصرف الجميع مظهرين الرجوع إلى بلادهم، وهم يبثون الثورة والفتك بعثمان، واتفق أمرهم على أن يحاصروا عثمان في داره ويطلبوا منه الاستقالة وأن يخلع نفسه، فقال عثمان: لا أخلع قميصا ألبسنيه الله عز وجل. وضيق الثوار الحصار عليه حتى منعوه من الصلاة في المسجد، فأرسل عثمان إلى الإمام علي وطلحة والزبير، فحضروا، فأشرف عليهم فقال: أيها القوم، اجلسوا، فجلسوا، ثم قال: «يا أهل المدينة، أستودعكم الله وأسأله أن يحسن عليكم الخلافة بعدي، ثم قال: أنشدكم الله، هل تعلمون أنكم عند مصاب عمر سألتم الله أن يختار لكم ويجمعكم على خيركم؟ أتقولون إن الله لم يستجب لكم؟ وهنتم عليه وأنتم أهل حقه؟ أم تقولون هان على الله دينه فلم يبال من ولى، والدين لم يتفرق أهله يومئذ؟ أم تقولون لم يكن أخذ عن مشورة وإنما كان مكابرة، فوكل الله الأمة إذ عصته ولم يشاروا في الإمارة؟ أم تقولون إن الله لا يعلم عاقبة أمري؟ وأنشدكم الله، هل تعلمون أن لي من سابقة خير وقدم خير قدم الله لي بحق على كل من جاء منكم بعدي أن يعرفوا لي فضلها، فمهلا، لا تقتلوني فإنه لا يحل إلا قتل ثلاثة: رجل زنى بعد إحصان، أو كفر بعد إيمان، أو قتل نفسا بغير حق، فإنكم إذا قتلتموني وضعتم السيف على رقابكم، ثم لا يرفع الله عنكم الاختلاف أبدا.»