فقال الثوار: أما ما ذكرت من استخارة الناس بعد عمر ثم ولوك فإن كل ما صنع الله خير، ولكن الله جعلك بلية ابتلى بها عباده، وأما ما ذكرت من قدمك وسابقتك مع رسول الله فقد كنت كذلك، وكنت أهلا للولاية، ولكن أحدثت ما علمت، ولا نترك إقامة الحق عليك خوف الفتنة عاما قابلا، وأما قولك إنه لا يحق إلا قتل ثلاثة، فإنا نجد في دين الله غير الثلاثة الذين سميت، قتل من سعى في الأرض فسادا، ثم قاتل على بغيه، وقتل من حال دون شيء من الحق ومنعه وقاتل دونه، وقد بغيت ومنعت وحلت دونه وكابرت عليه ولم تقد من نفسك، وقد تمسكت بالإمارة علينا، فإن زعمت أنك لم تكابر عليها فإن الذين قاموا دونك ومنعوك منا يقاتلون لتمسكك بالإمارة، فلو خلعت نفسك لانصرفوا عن القتال معك.
فلم يجبهم عثمان إلى ما طلبوا، وأخذ ينصحهم ويهددهم، فلم يجد التهديد ولا النصح، وظلوا مصرين على طلب خلعه نفسه فلم يقبل، وقدم كثير من أهل المدينة يطلبون إليه أن يذبوا عنه، فأمرهم بالانصراف وعدم مقاتلة الثوار، فلعل عقولهم تحول دون إحداث الفتنة في حرم الله، وكان يكثر الخطب في الثوار، ويرسل إليهم كبار الصحابة كالإمام علي، وطلحة، وعبد الله بن عباس وغيرهم يعدهم بإجابة مطالبهم، فيأبون إلا عنادا وفسادا، ثم عزموا أن يقطعوا عنه الماء والغذاء، فنهاهم الإمام علي بن أبي طالب عن ذلك فلم ينتهوا، وجاءته أم حبيبة بنت أبي سفيان بإداوة ماء فضربوا وجه بغلتها بالسيف ونفرت، وكادت أم المؤمنين أن تسقط عنها، ثم تراجعت، ولما اشتد العطش بأمير المؤمنين أشرف على الناس، فقال: أنشدكم الله، هل تعلمون أني اشتريت بئر رومة بمالي يستعذب بها، وجعلت رشائي كرجل من المسلمين؟ قالوا: نعم، قال: فلم تمنعوني أن أشرب الماء حتى أفطر على ماء البحر.
وحان موعد الحج وعثمان محصور، والمدينة في بلاء، فطلب عثمان من عبد الله بن العباس أن يحج بالناس، وكتب معه كتابا أبان للناس فيه ظلم الثوار إياه وبهتانهم عليه، وأنه إن كان قد أخطأ في أمر فإنه يتوب منه، والله يقبل التوبة من عباده، ويعتذر عما بدر من عماله، ويعد الناس بحسن السيرة والعدل وأنه لن يخلع نفسه، ولما قرأ ابن عباس كتاب عثمان يوم التروية وأراد نفر من المسلمين نصرته منعهم الثوار، وخافوا إن طال الأمد أن تأتي الأمداد من الأقاليم إلى عثمان، فقصدوا الدخول عليه واغتياله، ولكن أبناء الصحابة وقفوا دونهم، واستطاع الثوار أن يحرقوا باب الدار، ودخلوا على عثمان فوجدوه يقرأ القرآن، فأحاطوا به وطلبوا إليه أن يخلع نفسه، فأبى، فقتلوه، وكان ذلك في ثاني عشر ذي الحجة من سنة 35ه، وكان له من العمر 82 عاما، وكان القاتل له رومان بن سرحان، ضربه بحديدة على رأسه، وجاء آخر ليضربه بسيفه فأكبت عليه زوجته السيدة نائلة بنت الفرافصة لتدافع عنه فقطع إصبعها، ثم قطعوا عنقه، وانتهبوا بيت المال، وكان مقتله يوم الأربعاء بعد العصر، فلم يدفن إلا يوم السبت وظل مطروحا يومه إلى الليل، فحمله بعض الرجال ليدفنوه يومه فتعرض لهم الثوار ومنعوهم، فدفنوه ليلا، وصلى عليه جبير بن مطعم وأخفي قبره.
هذه هي فصول مأساة الفتنة العظمى، ويظهر أن سكان المدينة قد تواكلوا عن نصرة الخليفة والدفاع عنه؛ لأنه من المستبعد جدا ألا يستطيع أهل المدينة كلها وفيهم الأبطال والفضلاء وكبار الصحابة وأصحاب الرأي أن يقفوا أمام تلك الشرذمة من الثوار، ولكن تهاون الخليفة وتسليمه الأمر إلى نفر لا يهمهم إلا مصالحهم الخاصة، وانصراف جماعة كبار الصحابة عن حل هذه المشكلة التي وقع بها الخليفة قد أدى إلى وقوع هذه الكارثة الكبرى التي مزقت الإسلام شر ممزق، واستمر جرحها العميق في قلب الإسلام إلى مدى بعيد. (4) تفصيل الأسباب التي تذرع بها الثوار في قيامهم في الفتنة