تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وابتنى المقداد بن الأسود داره بالمدينة في الموضع المعروف بالجرف، وجعل أعلاها شرفات، وجعلها مجصصة الباطن والظاهر، ومات يعلى بن أمية وخلف خمسمائة ألف دينار وديونا على الناس وعقارات وغير ذلك من التركة ما قيمته مائة ألف دينار.»

4

ويعلق المسعودي على هذا بقوله: وهذا باب يتسع ذكره، ويكثر وصفه فيمن تملك من الأموال في أيامه، ولم يكن من ذلك في عصر عمر بن الخطاب، بل كانت جادة واضحة وطريقة بينة.

وكان إلى جانب هؤلاء الذين أثروا جماعات ظلوا فقراء كما كانوا في العهد السابق، يتحرجون من كنز الأموال، وعلى رأس هؤلاء: أبو ذر الغفاري، وعمار بن ياسر اللذان كانا يكرهان أن ينصرف رجال الإسلام عن الدعوة السامية التي جاء الرسول من أجلها، والتي سار عليها خليفتاه الراشدان من بعده أبو بكر ثم عمر؛ ولذلك حنقوا على عثمان وعلى طلحة وعبد الرحمن بن عوف وغيرهما ممن خرجوا إلى الأقاليم الإسلامية النائية عن الحجاز، وأنشئوا لأنفسهم وأهليهم أرستقراطيات دينية تعتمد على الإسلام، وصحبة الرسول، وسابقة الإسلام، وتستغل ذلك لكنز الذهب والفضة وبناء القصور، واستغلال جماهير العامة لمصلحتهم الفردية.

وكان وراء هذين الفريقين - المتمولين والزهاد - طبقة ثالثة قد حنقت لضيق ذات يدها وقلة الأموال التي وصلت إليها في الفتوح، وكان جل هذه الطبقة من البدو والأعراب الذين رأوا تمتع قريش وحدها بالمنافع فحقدوا عليها، وقد رأينا طرفا من أحوالهم وأحاديثهم مع معاوية في كلامنا عن الفتنة في الكوفة، وقد كان هؤلاء الأعراب منتشرين في العراق والشام ومصر والحجاز، وكانوا يؤمنون بأن قريشا هي المسئولة عن هذه الفوضى، وأن الخليفة عثمان هو المسئول الأول عن كل ذلك، فأخذوا يعلنون تذمرهم وينشرون فكرة إعلان الثورة والتمرد على الخليفة في المدينة وسائر الأقاليم، وانتهز بعض ذوي الأغراض الخبيثة هذه الفرصة لإثارة الرأي العام على الخلافة. وكان عبد الله بن سبأ على رأس هؤلاء المجرمين؛ فأخذ ينتقل في البلاد الإسلامية ويحرض الناس على عثمان وعماله، ولقي من أبي ذر أذنا صاغية فانساق وراء دعوة ابن سبأ ونشط في حركته، حتى اضطر معاوية أن يبعثه أسيرا إلى الخليفة، فلم يرتدع عن الدعوة لفكرته الثائرة، واضطر الخليفة أن ينفيه إلى الربذة. ولا شك عندنا أن أبا ذر كان حسن النية، مخلصا في فكرته، ولكن ابن سبأ الخبيث استغل طيبة قلبه فأثاره من حيث لا يدري ما هي أهدافه، إلى أن وقعت الفتنة الكبرى، وكانت البصرة ومصر أخصب الأرضين لنمو فكرة الثورة.

ولكن عبد الله بن عامر أمير البصرة تمكن من طرد ابن سبأ، فرحل عن البصرة إلى الكوفة، فأخذ يشتم عثمان وعماله جهارا، فطرده أمير الكوفة، فأتى إلى الشام، ولكن معاوية كان له بالمرصاد، فهرب منها إلى مصر، فعشش فيها وفرخ، وأخذ يكاتب ثوار البصرة والكوفة وينقل أخبارهم إلى المصريين، وينقل أخبار المصريين إليهم، وأخذوا يتكاتبون ويتبادلون الرسائل، فتزعم ابن سبأ الفتنة، وبث الدعاة في الأقاليم يدعون لعلي بن أبي طالب، وينشرون فكرة رجوع النبي محمد

صلى الله عليه وسلم

من جديد، ويتهمون أبا بكر وعمر وعثمان باغتصاب حق علي عليه السلام، ويؤلبون الناس على عثمان الغاصب للخلافة والمستهتر بها.

وكان ابن سبأ حين يبعث الدعاة يقول لهم: «أيها الناس، إن عثمان أخذ الخلافة بغير حق، وهذا علي وصي رسول الله

صلى الله عليه وسلم ، فانهضوا في هذا الأمر وحركوه، وابدءوا بالطعن على أمرائكم، وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تستميلوا الناس، وادعوا إلى هذا الأمر.»

5

وقد انضم إلى هذه الفئة الحانقة جماعة من أبناء كبار الصحابة أمثال: محمد بن أبي حذيفة، ومحمد بن أبي بكر الصديق، أما محمد بن أبي حذيفة فقد كان تربى في كنف عثمان بعد وفاة أبيه، فلما تولى عثمان طلب إليه أن يوليه بعض الولايات فلم يقبل عثمان؛ إذ بلغه أنه شرب الخمر مرة، ثم إنه قصد مصر وخرج في غزوة ذات السواري مع ابن أبي سرح، فوقعت خصومة بينه وبين ابن أبي سرح، فحقد عليه وعلى عثمان، ولما جاء ابن سبأ إلى مصر وأخذ يدعو لعلي انضم إلى هذه الدعوة كرها في عثمان وعماله.

عصر الخلفاء الراشدين: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثالث) · الصفحة ٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الخلفاء الراشدين: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثالث)ص ٧٥