1
وكتب معاوية إلى عثمان أنه قدم علي أقوام ليست لهم عقول ولا أديان، أثقلهم الإسلام وأضجرهم العدل، لا يريدون الله بشيء، ولا يتكلمون بحجة، إنما همهم الفتنة وأموال أهل الذمة، والله مبتليهم ومختبرهم ثم فاضحهم ومخزيهم.
ثم خرج القوم من الشام ولم يذهبوا إلى الكوفة لئلا يشمت بهم الناس، بل تفرقوا في الجزيرة والشام.
2 (3) الفتنة العظمى
تولى عثمان الخلافة وهو شيخ قد ناهز السبعين من عمره، وكان سهلا لينا مداريا، ولم يكن عنده حزم أبي بكر، ولا شدة عمر، وقد طمع المسلمون في لينه، وتنفسوا الصعداء من قوة عمر عليهم؛ فقد سمح لرجالات قريش وكبار الصحابة أن يخرجوا للأمصار ويتملكوا الدور والقصور والعقار، وترك للناس أمر زكاة أموالهم يتصرفون في إنفاقها بالطرق التي يرونها؛ فقد تدفقت الأموال على المدينة، واستغنى الناس كثيرا، وبدأت الثروات تمد أعناقها، فعمت حياة الترف وظهرت بعض الأمور المنكرة التي نهى عنها الإسلام. قال حكيم بن عباد بن حنيف: أول منكر ظهر بالمدينة حين فاضت الدنيا وانتهى وسع الناس: طيران الحمام والرمي على الجلاهقات، فاستعمل عليها عثمان رجلا من بني ليث سنة ثمان فقصها وكسر الجلاهقات،
3
وأخذ عثمان يضرب على أيدي هؤلاء، فتذمروا منه، وأخذوا يعلنون استياءهم من سياسته، ونصرهم أبناء عمومتهم وأهليهم.
وانتهز هذه الفرصة نفر من الصحابة الذين لم تعجبهم سيرة عثمان وليونته، أمثال: عبد الله بن مسعود الهذلي، وأبي ذر الغفاري، وعمار بن ياسر، فأخذوا ينشرون في المجالس أقوالا يتهجمون فيها على الخليفة عثمان ويبينون هناته، وانتصرت بنو هذيل لعبد الله بن مسعود، وكذلك فعلت بنو غفار انتصارا لأبي ذر، وأخذت بذور الثورة على حكم عثمان تغرس في الحجاز ومصر، وخصوصا حين أقدم عثمان على بعض الأمور التي لم يفعلها صاحباه أبو بكر وعمر من قبل، كإقطاع الأرضين، ومنح القطائع الكبيرة لبعض أقاربه، وهو أول من فعل ذلك، كما أنه أول من حمى الحمى، وأول من أخفض صوته في التكبير، وأول من أمر بالأذان الأول يوم الجمعة، وأول من قدم الخطبة في العيد على الصلاة، وأول من فوض إلى الناس إخراج زكاتهم، إلى أشياء أخرى أداه اجتهاده إلى إباحتها للناس ولم يكن الرسول ولا أبو بكر ولا عمر قد أذنوا بها ولا فعلوها، فغضبت العامة وجمهور المسلمين من ذلك.
وقد استغل نفر من كبار رجالات قريش وزعماء العرب ليونة عثمان فأخذوا يجمعون الأموال ويبذخون، فتقولت العامة عليهم وعلى عثمان، حتى قال المسعودي المؤرخ: «في أيام عثمان اقتنى جماعة من أصحابه الضياع والدور، منهم الزبير بن العوام؛ فقد بنى داره بالبصرة وهي المعروفة في هذا الوقت - وهو سنة 32 - تنزلها التجار وأرباب الأموال وأصحاب الجهات من البحرين وغيرهم، وابتنى أيضا دورا بمصر والكوفة والإسكندرية، وما ذكروه من دوره وضياعه فمعلوم غير مجهول إلى هذه الغاية، وبلغ مال الزبير بعد وفاته خمسين ألف دينار، وخلف الزبير ألف فرس وألف عبد وألف أمة وخططا بحيث ذكرنا من الأمصار.
وكذلك كان طلحة بن عبيد الله التيمي ، ابتنى داره بالكوفة المشهورة به هذا الوقت، وهي المعروفة بالكناس بدار الطلحتين، وكانت غلته من العراق كل يوم ألف دينار، وقيل أكثر من ذلك، وبناحية سراة أكثر مما ذكرنا، وشيد داره بالمدينة وبناها بالآجر والجص والساج.
وكذلك عبد الرحمن بن عوف الزهري، ابتنى داره ووسعها، وكان على مربطه مائة فرس، وله ألف بعير وعشرة آلاف من الغنم، وبلغ ريع ثمن ماله أربعة وثمانين ألفا. وابتنى سعد داره بالعقيق، فرفع سمكها ووسع فضاءها، وجعل أعلاها شرفات. وذكر سعيد بن المسيب أن زيد بن ثابت حين مات خلف من الذهب والفضة ما كان يكسر بالفئوس، غير ما خلف من الضياع والأموال بقيمة مائة ألف دينار.