رأينا أن عمال عثمان في العراق ومصر والشام قد نشطوا في الفتوح، وفي إعادة من انتقض من أهل البلاد المفتوحة في عهد عمر، ويمكننا إجمال هذه الأحداث كما يلي: (1)
المشرق: أعاد المسلمون فتح إيران وخراسان وبلخ، وفتح بلاد طبرستان ومصر وسرخس وبلاد الخزر والديلم، حتى وصلوا «بلنجر» وهي أكبر مدنهم، وتقع خلف دربند - باب الأبواب - ولكن الترك تجمعوا عليهم فهزموهم. (2)
آسيا الصغرى: عني معاوية بفتح بلاد آسيا الصغرى وجزائر بحر الروم، فوصلت جيوشه إلى «عمورية» قرب «بروسة»، وافتتحها واستولى على جزيرتى: قبرص ورودس، وفتح كثيرا من الحصون، ودخل أرمينية حتى وصل إلى «قاليقلا» و«تفليس». (3)
إفريقية: سار عبد الله بن سعد بن أبي سرح إلى إفريقية الشمالية، ولما انقطعت أخباره أمده عثمان بعبد الله بن الزبير، فتمكن من إخضاع شمالي إفريقية كله، وغزا بلاد النوبة، فبلغ «دنقلة» وصالح أهلها.
الفصل الخامس
| في الأحداث الكبرى في خلافته
(1) سقوط الخاتم النبوي من يد عثمان في «بئر أريس»
وهو بئر على ميلين من المدينة؛ فقد روى المؤرخون أن رسول الله لما أراد أن يكتب إلى الأعاجم كتبا يدعوهم فيها إلى الإسلام قيل له: إنهم لا يقبلون الكتاب إلا أن يكون مختوما، فأمر رسول الله أن يعمل له خاتم من فضة نقش عليه: «محمد رسول الله»، فجعله في إصبعه، وكان هذا الخاتم في يده حتى قبضه الله إليه، ثم استخلف أبو بكر فتختم به حتى مات، فلما ولي عمر جعل يتختم به حتى مات، فلما ولي عثمان تختم به ست سنوات، ولما كانت سنة 30 للهجرة حفر «بئر أريس» للمسلمين، فقعد على رأس البئر، فجعل يعبث بالخاتم ويديره بأصبعه فانسل من يده ووقع في البئر، فطلبوه منها ونزحوا ما فيها من ماء، وجعل فيه مالا عظيما لمن وجده، فلم يجدوه، واغتم لذلك غما شديدا، فلما يئس منه أمر فصنع له خاتم آخر من فضة على مثاله، فلما قتل ذهب الخاتم من يده، فلم يدر من أخذه. (2) فتنة أهل الكوفة
اجتمع نفر من سراة أهل الكوفة ووجوههم إلى أميرهم سعيد بن العاص، وعاتبوه على أمور ظهرت في عهد عثمان، منها: استبداد قريش بأموال السواد العراقي، وتملكها لأطايب الأرض وخيراتها، وعظمت روح التمرد والفتنة بين صفوفهم، وأحس سعيد بن العاص ببادرة سوء فكتب بذلك إلى عثمان كما أسلفنا، فأجابه عثمان أن يبعث برؤساء أهل الفتنة إلى معاوية، فأتوه وهم بضعة عشر رجلا، وكان عثمان قد كتب إليه: «إن أمير الكوفة قد أخرج إليك نفرا خلقوا للفتنة، فرعهم وقم عليهم، فإن آنست منهم رشدا فاقبل منهم، وإن أعيوك فارددهم عليه، فلما دخلوا الشام رحب بهم معاوية وأنزلهم في كنيسة مريم، وأجرى عليهم ما كان يجري عليهم في العراق، وجعل لا يزال يتغدى ويتعشى معهم، وقال لهم يوما: إنكم من العرب ولكم أسنان وألسنة، وقد أدركتم بالإسلام شرفا، وغلبتم الأمم وحويتم مراتبهم ومواريثهم، وقد بلغني أنكم نقمتم قريشا، ولو لم تكن عدتم أذلة كما كنتم، إن أئمتكم لكم إلى اليوم جنة، لتنتهن أو ليبتلينكم بمن يسومكم، ثم لا يحمدكم على الصبر، ثم تكونون شركاءهم فيما جررتم على الرعية في حياتكم وبعد موتكم، فقال رجل من القوم: أما ما ذكرت من قريش، فإنها لم تكن أكثر العرب ولا أمنعها في الجاهلية فتخوفنا، وأما ما ذكرت من الجنة فإن الجنة إذا اخترقت خلص إلينا، فقال معاوية: عرفتكم الآن، علمت أن الذي أغراكم على هذا قلة العقول، وأنت خطيب القوم ولا أرى لك عقلا، أعظم عليك أمر الإسلام وأذكرك به وتذكرني بالجاهلية وقد وعظتك، وتزعم لما يجنك أنه يخترق ولا ينسب ما يخترق إلى الجنة، أخزى الله أقواما أعظموا أمركم ورفعوا إلى خليفتكم، افقهوا ولا أظنكم تفقهون إن قريشا لم تعز في الجاهلية ولا إسلام إلا بالله عز وجل، ولم تكن بأكثر العرب ولا أشدهم، ولكنهم كانوا أكرمهم أحسابا، وأمحضهم أنسابا، وأعظمهم أخطارا، وأكملهم مروءة.»