تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم رجع ابن عامر إلى البصرة بعد أن فتح الله على يديه ملك فارس كله بعد انتقاضه، وقال: لأجعلن شكري لله على ذلك أن أخرج معتمرا من موقفي هذا، وفي عهد إمارة ابن عامر ظهر عبد الله بن سبأ في البصرة؛ فقد بلغ ابن عامر أن رجلا من اليهود أسلم وأظهر أقوالا غريبة، وأنه نزل في بني حكيم بن جبلة العبدي، وأن له آراء غير مقبولة، فاستدعاه ابن عامر فسأله: من أنت؟ فقال: أنا رجل من أهل الكتاب، رغبت في الإسلام وفي جوارك، فقال: ما بلغني عنك، اخرج عني، فخرج حتى أتى الكوفة، فأخرج منها، ثم أتى الشام فأخرج منها، ثم أتى الحجاز فأخرج منه، فأتى مصر فعشش فيها وباض وفرخ، وكان له أقوال عجيبة، منها قوله: «عجبت ممن يصدق برجوع المسيح، ولا يصدق برجوع محمد!» وكان هذا ابتداء القول بالرجعة، وكان يقول: «إن عليا وصي محمد وقد غصبه من ولي قبله، فالواجب على المسلمين أن يعيدوا الأمر لأصحابه.» وقد تبعه بمصر وغيرها جمع كثير، وقد لعب دورا كبيرا في إثارة الفتن كما سنرى بعد إن شاء الله.

4 (3) الشام

كان الشام في عهد عمر بيد معاوية، فأقره عثمان على عمله، وانصرف معاوية إلى تقوية الثغور والاستعداد لقتال الروم، ففي السنة الثانية من ولاية عثمان غزا معاوية الروم وبلغ عمورية، وأنزل في الحصون التي بين «أنطاكية» و«طرسوس» ثم رجع، فأمره الخليفة أن يغزي حبيب بن مسلمة الفهري أرمينية وما إليها، فوجهه إليها، وفتح «قاليقلا» وصالح أهلها، ثم كتب إلى عثمان ينبئه أن بطريق أرمينية قد جمع جموعا كثيرة للمسلمين فأمده الخليفة بسلمان بن ربيعة، ومكن الله للمسلمين من الأرض، ففتح الله على أيديهم تلك البلاد حتى بلغ «تفليس» و«أران» و«برذعة» ففتحها صلحا.

وفي سنة 28ه فتح معاوية جزيرة قبرص بعد أن استأذن عثمان فأذن له، وقد كان عمر ينهاه عن ذلك خوفا على المسلمين، وكان في الأسطول العمري نفر كبير من الصحابة أمثال: أبي الدرداء، وشداد بن أوس، وأبي ذر، وعبادة بن الصامت، وزوجته أم حرام بنت ملحان التي أخبرها رسول الله أنها ستكون في أول من يغزو البحر، وقد أمده أمير مصر عبد الله بن سعد بنفسه وبأسطول كبير، فاجتمعا على قبرص، واضطر صاحبها أن يصالحهم على سبعة آلاف كل سنة يؤدون إلى الروم مثلها، لا يمنعهم المسلمون من ذلك، وليس على المسلمين منعهم ممن أرادوهم من ورائهم، وعليهم أن يعلموا المسلمين بمسير عدوهم من الروم إليهم، ويكون طريق المسلمين إلى العدو عليهم، وفي هذه الغزوة ماتت أم حرام، ورجع معاوية بعد أن استعمل عبد الله بن قيس على غزو الروم، فغزا نحوا من خمسين غزوة بين صائفة وشاتية في البر والبحر.

وفي سنة 30ه. شكا معاوية أبا ذر لعثمان؛ لأنه كان يرى أنه لا ينبغي للمسلم أن يكون في ملكه أكثر من قوت يوم وليلة أو شيء قليل ينفقه في سبيل الله، وكان أبو ذر يقوم في أهل الشام ويقول: «يا معشر الأغنياء، واسوا الفقراء وأحسنوا إليهم، وقاسموهم أموالكم ...» وأخذ يحرض الفقراء على الأغنياء حتى خاف معاوية الفتن، فاستدعى عثمان أبا ذر إليه، ثم نفاه إلى «الربذة» بعد أن أقطعه قطعة من الإبل، وأجرى عليه العطاء، فبقي هناك إلى أن هلك رحمه الله. (4) مصر

ظلت مصر تحت إمرة عمرو بن العاص فاتحها في عهد عمر، ولما استخلف عثمان أقره على عمله، وفي السنة الثانية من خلافته علم عمرو أن روم القسطنطينية قد كتبوا إلى روم مصر يدعونهم إلى نقض العهد والثورة على المسلمين، فأجابوهم إلى ذلك وثاروا، حاشا المقوقس فإنه حافظ على عهده، ولما بلغ ذلك عمرا سار إلى الإسكندرية فلقيه رومها ومن جاءهم من روم القسطنطينية، وجرت بين الطرفين معارك كثيرة هزم فيها الروم وهدم سور المدينة.

وفي تلك السنة سير عمرو بن العاص عبد الله بن سعد بن أبي سرح غازيا في شمال إفريقية ففتح وغنم، وأنفله عثمان خمس الخمس، ثم رجع بعد أن صالحه ملك إفريقية، ولم يلبث أن أخذ يهيئ نفسه لغزو إفريقية ثانية، فخرج إليها في جمع عظيم، والتقى بملك إفريقية الذي ولاه الروم عليها من حدود طرابلس إلى طنجة، وامتدت المعارك بين الجانبين عند «سبيطلة» عاصمة الملك، وأمد عثمان المسلمين بجيش على رأسه عبد الله بن الزبير، فانهزم المشركون وقتل ملك إفريقية، وصالح عبد الله بن أبي سرح أهل إفريقية على ألف ألف وخمسمائة دينار، وأرسل إلى عثمان بالبشارة والأخماس وعاد هو من إفريقية، وكان مقامه فيها سنة وربعا. (5) الفتوحات في عهده

عصر الخلفاء الراشدين: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثالث) · الصفحة ٧٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الخلفاء الراشدين: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثالث)ص ٧٢