فأرسل سعيد إلى أهل القادسية وغيرها من أصحاب الأيام والفتوح فقال لهم: «أنتم وجوه الناس، والوجه ينبئ عن الجسد، فأبلغونا حاجة ذوي الحاجة.» وأدخل معهم من يحتاج إليه من اللواحق والروادف، وقرب إليه القراء، ولكن ذلك لم يعجب الناس فاضطربوا. قال الطبري: فكأنما كانت الكوفة يبسا شعلته نار، وفشت القالة والإذاعة، فكتب سعيد إلى عثمان بذلك، فنادى منادي عثمان: «الصلاة جامعة!» فاجتمعوا، فأخبرهم بالذي كتب به إلى سعيد، وبالذي كتب به إليه، وبالذي جاءه من القالة والإذاعة، فقالوا: أصبت، فلا تسعفهم في ذلك، ولا تطمعهم فيما ليسوا له بأهل، فإنه إذا نهض في الأمور من ليس لها بأهل لم يحتملها وأفسدها، فقال عثمان: «يا أهل المدينة، استعدوا واستمسكوا؛ فقد دبت إليكم الفتن.» ونزل فأوى إلى منزله.
2
أما سعيد فإنه اهتم بأمر الناس، ورأى أن خير وسيلة لتهدئة الاضطرابات هي في إرسالهم للفتح، فبعث جموعا فيها الحسن والحسين أبناء علي، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وحذيفة بن اليمان، ففتحت طبرستان وصالحهم أهلها، وكان ذلك في سنة 30ه، وسار سعيد نفسه ومعه جمع من كبار الصحابة فيهم حذيفة بن اليمان مددا لعبد الرحمن بن ربيعة الباهلي الذي كان بالباب، فلما بلغوا أذربيجان سير سعيد حذيفة وقام هو ردءا له، فسار حذيفة وغزا وفتح، وفي سنة 32ه، بعث سعيد عبد الرحمن بن ربيعة لغزو الترك والخزر، فأوغل في بلادهم، ثم تجمعوا عليه ففرقوا جيشه وقتلوه، فلحقت فلول جيشه بأخيه سليمان بن ربيعة الباهلي الذي كان سعيد قد أرسله مددا لأخيه، وساروا نحو «جيلان»، و«جرجان» اللتين كان جيش المسلمين يحاصرهما، فأمدوهم وأعانوهم على العدو.
ثم إن سعيد بن العاص رحل إلى المدينة للقاء أمير المؤمنين بعد أن استخلف على الكوفة عمرو بن حريث، فقام جماعة من أهل الكوفة كرهوا ولاية سعيد واتفقوا على التوجه إلى عثمان، فلقيهم سعيد في الطريق وعلم ما يريدون، فسار إلى عثمان وأخبره أن القوم لا يريدونه، وأنهم يحبون أبا موسى الأشعري، فولاه عثمان عليهم، وكتب إلى أهل الكوفة يقول: «أما بعد فقد أمرت عليكم من اخترتم، وأعفيتكم من سعيد، والله لأقرضنكم عرضي ولأبذلن لكم صبري، ولأستصلحنكم بجهدي، فلا تدعوا شيئا أصبتموه لا يعصى الله فيه إلا استعفيتم منه أنزل فيه عند ما أحببتم، حتى لا يكون لكم على الله حجة، ولنصبرن كما أمرنا حتى تبلغوا ما تريدون.» ثم جاء أبو موسى الكوفة، وخطب أهلها وأمرهم بلزوم الجماعة، ولم يزل أميرا عليها حتى مقتل عثمان. (2) البصرة
تولى أمر البصرة في خلافة عثمان أبو موسى الأشعري الذي كان عمر قد ولاه إياها، فظل فيها إلى سنة 29ه، ثم عزله عثمان بعبد الله بن عامر بن كريز بعد أن ضم إليه عمان والبحرين، ولم يلبث عبد الله بن عامر أن يصل حتى علم بانتقاض أهل فارس بأميرهم عبيد الله بن معمر، فسار إلى فارس وقاتلهم وهزمهم، وفتح إصطخر عنوة، وقتل من أهلها مقتلة عظيمة، ووطئ أهل فارس وطأة لم يزالوا منها في ذل، وفي سنة 31 قتل يزدجرد آخر ملوك الفرس، وأخبار المؤرخين مضطربة في كيفية قتله وأسبابه، إلا أنهم اتفقوا على أنه قتل وحيدا طريدا لم يغن عنه هذا الملك الواسع شيئا، واتفقوا على أنه قتل بيد أعجمية، وكان يتمنى أن لو كان وقع بيد العرب المسلمين، فإنهم كانوا يبقون عليه حيا.
3
وفي تلك السنة (31ه) سار عبد الله بن عامر في جمع كبير لفتح خراسان التي انتقض أهلها حين علموا بمقتل عمر (رضي الله عنه)، فلما وصل إلى «الطبسين» وهما: بابا خراسان، تلقاه أهلها بالصلح فصالحهم، ثم سار إلى قهستان فصالحه أهلها، ثم قصد نيسابور فصالحه أهلها كذلك، ثم بقي هناك ووجه الأحنف بن قيس إلى طخارستان ومرو الروذ، فلقيته جموع كثيرة من الفرس، فمكنه الله منهم، وتمكن الأحنف من فتح الطالقان وبلخ، وسار نحو خوارزم فلم يتمكن من فتحها، فعاد.