تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أبشر وحييت ثلاثا تترى

أتاك خيرا ووقيت شرا

أنكحت والله حصانا زهرا

وأنت بكر ولقيت بكرا

وافيتها بنت عظيم قدرا

بنت امرئ قد أشاد ذكرا

فعجبت من قولها، فقلت: يا خالة، ما تقولين؟ فقالت: يا عثمان:

لك المال ولك اللسان

هذا نبي معه البرهان

أرسله بحقه الديان

فاتبعه لا تغتالك الأوثان

فقلت: يا خالة، إنك لتذكرين شيئا ما وقع ذكره في بلدنا فأبينيه لي، قالت: محمد بن عبد الله، رسول من عند الله، جاء بتنزيل الله، يدعو إلى الله، ثم قالت: مصباحه مصباح، ودينه فلاح، وأمره نجاح، وقرنه نطاح، ذلت له البطاح، ما ينفع الصياح، لو وقع الدباح، وسلت الصفاح، ومدت الرماح.

فانصرفت، ووقع كلامها في قلبي، فجعلت أفكر فيه، وكان لي مجلس عند أبي بكر فأتيته، فأصبته في مجلس ليس عنده أحد، فجلست إليه فرآني مفكرا، فسألني عن أمري، وكان رجلا متأنيا، فأخبرته بما سمعت من خالتي، فقال: ويحك يا عثمان! إنك لرجل حازم، ما يخفى عليك الحق من الباطل، ما هذه الأوثان التي يعبدها قومنا؟ أليست من حجارة صم لا تسمع ولا تبصر؟! قلت: بلى والله إنها كذاك، فقال: والله لقد صدقت خالتك، هذا رسول الله محمد بن عبد الله، قد بعثه الله برسالته إلى خلقه، فهل لك أن تأتيه فتسمع منه؟ قلت: بلى، فوالله ما كان أسرع من أن مر رسول الله

صلى الله عليه وسلم

ومعه علي يحمل ثوبا، فلما رآه أبو بكر قام فساره في أذنه بشيء، فجاء رسول الله

صلى الله عليه وسلم

فقعد، ثم أقبل علي، فقال: يا عثمان، أجب الله إلى جنته، فإني رسول الله إليك وإلى خلقه، فوالله ما تمالكت حين سمعت قوله أن أسلمت، وأشهد بأن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله ... ثم لم ألبث أن تزوجت رقية بنت رسول الله

صلى الله عليه وسلم .

ولما اشتد أذى المشركين على رسول الله والمسلمين، وأذن الرسول لأصحابه بالهجرة إلى أرض الحبشة، كان عثمان من أول من فر بدينه إليها وأخذ معه زوجه، فكانا أول مهاجرين، ثم تبعه سائر المهاجرين. قال أنس بن مالك: لما خرج عثمان بابنة رسول الله إلى الحبشة وأبطأ خبرهما جعل

صلى الله عليه وسلم

يتوكف الأخبار، فقدمت امرأة من قريش من أرض الحبشة، فسألها

صلى الله عليه وسلم ، فقالت: رأيتها وقد حملها على حمار من هذه الدواب وهو يسوقها، فقال النبي

صلى الله عليه وسلم : إن كان عثمان لأول من هاجر إلى الله عز وجل بعد لوط،

1

وقد ظل رضوان الله وسلامه عليه في الحبشة إلى ما بعد هجرة النبي إلى المدينة أو بعدها.

ولما قدم على رسول الله من الحبشة أنس به جدا، فكان يدعوه إلى مجلسه ويسامره في ليله، فيهش له وينشرح صدره بمقدمه، روت عائشة أنها كانت هي وحفصة عند رسول الله ذات يوم، فقال رسول الله: لو كان عندنا رجل يحدثنا، فقالت عائشة: أبعث إلى أبي بكر فيجيء فيحدثنا، قالت: فسكت

صلى الله عليه وسلم ، فقالت حفصة: أبعث إلى عمر فيجيء فيحدثنا، فسكت

صلى الله عليه وسلم ، ثم دعا وصيفا بين يديه فساره، فإذا عثمان يستأذن، فأذن له وأقبل عليه بوجهه، فناجاه رسول الله

صلى الله عليه وسلم

طويلا.

2

وقد شهد المشاهد والغزوات مع النبي

صلى الله عليه وسلم ، وكان ممن هرب يوم أحد، وتخلف عن بدر؛ لأن النبي أذن له بالتخلف عنها لتمريض السيدة رقية، فكتب له النبي بسهمه وأجره، وتخلف عن بيعة الرضوان؛ لأن النبي كان بعثه إلى مكة، فأشيع أنهم قتلوه، فضرب النبي إحدى يديه على الأخرى وقال: هذه يد عثمان، وكان الرسول يستكتبه الوحي ويستكتمه أسراره، ويقول: هو أشبه الناس بي خلقا وخلقا ودينا وسمتا، وهو أصدق أمتي حياء.

3

وقد كان من أجل أعماله التي قام بها في عهد الرسول تجهيزه لجيش العسرة يوم غزوة تبوك؛ فقد قال عبد الرحمن بن خباب: شهدت النبي

صلى الله عليه وسلم

وهو يحث على جيش العسرة، فقام عثمان فقال: يا رسول الله، علي مائة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، فأنا رأيت رسول الله ينزل عن المنبر وهو يقول: ما على عثمان ما عمل بعد هذه.

عصر الخلفاء الراشدين: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثالث) · الصفحة ٦٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الخلفاء الراشدين: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثالث)ص ٦٧