ومن أعماله الجليلة في عهد الرسول تسبيله بئر رومة؛ لما قدم المهاجرون إلى المدينة واستنكروا الماء، وكان لرجل من بني غفار بئر يقال لها «بئر رومة»، وكان يبيع منها القربة بمد، فقال رسول الله
صلى الله عليه وسلم
للرجل: تبيعها بعين في الجنة؟ فقال: يا رسول الله، ليس لي ولا لعيالي عين غيرها، لا أستطيع ذلك، فبلغ عثمان فاشتراها بخمسة وثلاثين ألف درهم، ثم أتى النبي
صلى الله عليه وسلم
فقال: اجعل لي مثل الذي جعلت له عينا في الجنة، فقال الرسول: نعم، قال عثمان: قد اشتريتها وجعلتها للمسلمين. ومن أعماله النبيلة أيضا أن المسجد النبوي لما ضاق بالمسلمين ابتاع عثمان مربدا كان إلى جانب المسجد لما سمع رسول الله
صلى الله عليه وسلم
يقول: من يبتاع مربد بني فلان، غفر الله له، فابتاعه عثمان بعشرين ألفا أو خمسة وعشرين ألفا، وقال للرسول: قد ابتعته، فقال: اجعله في مسجدنا وأجره لك، فقال: اللهم نعم.
ولما توفي رسول الله
صلى الله عليه وسلم
كان للخلفين الراشدين بعده صاحبا أمينا يبذل لهما الجهد في إصلاح الأمور وتسديد الأحوال على خير ما فيه نجاح المسلمين، وكان أبو بكر وعمر يثقان به، ويعتمدان على أقواله وإرشاداته وتوجيهاته، ويستكتبانه ويرجعان في كثير من أحوال الدولة إليه.
الفصل الثالث
| في خلافته
لما طعن عمر قيل له: لو استخلفت، قال: لو كان أبو عبيدة بن الجراح حيا استخلفته، فإن سألني ربي قلت: سمعت نبيك يقول: إنه أمين هذه الأمة، ولو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا استخلفته، فإن سألني ربي قلت: سمعت نبيك يقول: إن سالما شديد الحب لله، فقال له رجل: أدلك عليه، عبد الله بن عمر، فقال: قاتلك الله، والله ما أردت بهذا، ويحك! كيف أستخلف رجلا عجز عن طلاق امرأته؟ لا أرب لنا في أموركم، ما حمدتها فأرغب فيها لأحد من أهل بيتي، إن كان خيرا فقد أصبنا منه، وإن كان شرا فشر عنا آل عمر، بحسب آل عمر أن يحاسب منهم رجل واحد، عليكم هؤلاء الرهط الذين قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم
إنهم من أهل الجنة: «سعيد بن زيد» بن عمرو بن نفيل منهم، ولست مدخله، ولكن الستة: «علي» و«عثمان» أبناء عبد مناف، و«عبد الرحمن» و«سعد» خالا رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، و«الزبير» بن العوام حواري رسول الله
صلى الله عليه وسلم
وابن عمته، و«طلحة الخير» بن عبيد الله، فليختاروا منهم رجلا، فإذا ولوا واليا فأحسنوا مؤازرته وأعينوه، ثم إنه دعا عليا وعثمان وسعدا وعبد الرحمن والزبير، فقال: إني نظرت فوجدتكم رؤساء الناس وقادتهم، ولا يكون هذا الأمر إلا فيكم، وقد قبض رسول الله وهو عنكم راض، إني لا أخاف الناس عليكم إن استقمتم، ولكن أخاف عليكم اختلافكم فيما بينكم فيختلف الناس، فانهضوا إلى حجرة عائشة، فدخلوا فتناجوا ثم ارتفعت أصواتهم، فقال عبد الله بن عمر: سبحان الله! إن أمير المؤمنين لم يمت بعد، فانتبه عمر فقال: ألا أعرضوا عن هذا الأمر، فإذا مت فتشاوروا ثلاثة أيام، وليصل بالناس صهيب، ولا يأتين اليوم الرابع إلا وعليكم أمير منكم، ويحضر عبد الله بن عمر مشيرا، ولا شيء له من الأمر، وطلحة شريككم في الأمر، فإن قدم في الأيام الثلاثة فأحضروه أمركم، وإن مضت الثلاثة قبل قدومه فاقضوا أمركم، وأرجو ألا يخالفكم إن شاء الله، وما أظن أن يلي إلا أحد هذين: علي وعثمان، فإن ولي عثمان فرجل فيه لين، وإن ولي علي ففيه دعابة، وأحر به أن يحملهم على الطريق، وإن تولوا سعدا فأهلها هو، وإلا فليستعن به الوالي، فإني لم أعزله عن خيانة ولا ضعف، ونعم ذو الرأي عبد الرحمن بن عوف، مسدد رشيد، له من الله حافظ، فاسمعوا منه، ثم قال لصهيب: صل بالناس ثلاثة أيام، وأدخل عليا وعثمان والزبير وسعدا وعبد الرحمن بن عوف وطلحة إن قدم، وأحضر عبد الله بن عمر، ولا شيء له من الأمر، وقم على رءوسهم، فإن اجتمع خمسة ورضوا رجلا وأبى واحد منهم فاشدخ رأسه بالسيف، وإن اتفق أربعة فرضوا رجلا منهم وأبى اثنان فاضرب رءوسهما، فإن رضي ثلاثة رجلا منهم فحكموا عبد الله بن عمر، فأي الفريقين حكم له فليختاروا رجلا منهم، فإن لم يرضوا بحكم ابن عمر فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف، واقتلوا الباقين إن رغبوا عما اجتمع عليه الناس.