كان أبوه من الحنفاء الأتقياء في الجاهلية، وكان يحيي الموءودات، وكان يقول للرجل إذا أراد وأد بنته: لا تقتلها وأنا أكفيك مئونتها. أما ابنه سعيد فقد كان من المسلمين الأول، أسلم هو وزوجته أم جميل بنت الخطاب، أخت عمر، وقد تقدمت قصة إسلام عمر، وقد هاجر هو وزوجته، وشهد له النبي وهو أحد العشرة، وشهد المشاهد كلها مع رسول الله، وبعثه الرسول هو وطلحة إلى الشام يتجسسان أخبار قريش قبل يوم بدر، وكان ورعا زاهدا، توفي بأرضه في العقيق سنة 50ه، أو سنة 51ه في أيام معاوية وهو ابن بضع وسبعين. (6) أبو عبيدة عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال القرشي (18ه)
أسلم قديما، ولقبه رسول الله بأمين الأمة، وكان يقول: إن لكل أمة أمينا، وإن أمين أمتنا أبو عبيدة بن الجراح، وقد أبلى أحسن البلاء في فتوح الشام والمشاهد كلها مع رسول الله، وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة، وكان عمر يجله ويكبر مكانته ويثق به، ولما رحل عمر إلى الشام أثناء الطاعون قال: إن أدركني أجلي وأبو عبيدة حي فهو الخليفة بعدي، وإن أدركني أجلي وأبو عبيدة ميت استخلفت معاذ بن جبل، وكان عمر يقول: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة رجالا مثل أبي عبيدة، وكان يكره مخالفته، وكان ورعا زاهدا خائفا من الله، متواضعا منصفا للرعية، مساويا بينهم. ولما وقع القحط بالحجاز كتب إليه عمر: الغوث الغوث، فكتب إليه أبو عبيدة: «قد أتتك العير يا أمير المؤمنين، أولها عندك وآخرها بالشام.» ومات في طاعون عمواس بالأردن سنة 18ه في خلافة عمر وهو ابن ثمان وخمسين سنة، وصلى عليه معاذ بن جبل (رضي الله عنهما).
4
| الخليفة الراشد الثالث: عثمان بن عفان
23-35ه/644-656م
الفصل الأول
| في نسبه وأوليته في الجاهلية
هو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن عبد شمس بن أمية بن عبد مناف الأموي القرشي (رضي الله عنه)، وأمه هي أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف، وأمها البيضاء أم حكيم بنت عبد المطلب عمة رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، وشقيقة أبي طالب. ولد عثمان في السنة الخامسة لميلاد الرسول الأعظم، فعني أبوه بتهذيبه وتثقيفه، وكان عفان من أثرياء قريش ووجوهها وعقلائها، فنشأه على الأخلاق الكريمة، والمزايا النبيلة، وأدبه بأدب شبان قريش، فتعلم الكتابة، وروى الشعر، وحفظ أنساب قومه، وأخبارها وسيرها، ووعى الشعر والخطب.
قال هشام بن عروة: كان عثمان أروى الناس للبيت والبيتين والثلاثة إلى الخمسة،
1
وقد وصفه مترجموه بأنه كان ربعة من الرجال، ليس بالقصير ولا الطويل، حسن الوجه، بوجنتيه نكتات من الجدري، وأنه كان أقنى شرف الأنف، رقيق البشرة، عظيم اللحية، أسمر اللون، كثير الشعر، له جمة أسفل من أذنيه، ولكثرة شعر رأسه ولحيته كان أعداؤه يسمونه نعثلا - وهو الضبع الذكر - وكان ضخم الكراديس، بعيد ما بين المنكبين، أروح الرجلين، وكان أصلع، يصبغ لحيته، وقد وتد أسنانه بالذهب، وكان من أحسن الرجال وآنفهم وأوسمهم.
قال أسامة بن زيد: بعثني رسول الله
صلى الله عليه وسلم
بصحفة فيها لحم إلى عثمان، فدخلت عليه، وإذا هو جالس مع رقية ابنة رسول الله زوجته فما رأيت زوجا أحسن منهما، فجعلت مرة أنظر إلى عثمان، ومرة أنظر إلى رقية، فلما رجعت إلى رسول الله
صلى الله عليه وسلم
قال: دخلت عليهما؟ قلت: نعم، قال: هل رأيت زوجا أحسن منهما؟ قلت: لا، وقد جعلت مرة أنظر إلى رقية ومرة أنظر إلى عثمان. وكان محببا في قريش، وفيه يقول قائلهم: «أحبك الرحمن حب قريش عثمان.» وهو من أمثالهم.
الفصل الثاني
| في إسلامه وأحواله قبل الخلافة
روى ابنه عمرو عن أبيه عثمان يصف إسلامه، فقال: كنت رجلا مستهترا بالنساء، وإني ذات يوم بفناء الكعبة قاعدا في رهط من قريش، إذا أتينا، فقيل لنا: إن محمدا قد أنكح عتبة بن أبي لهب ابنته رقية، وكانت رقية ذات جمال رائع، قال عثمان: فدخلتني الحسرة لم لا أكون أنا سبقت إلى ذلك، فلم ألبث أن انصرفت إلى منزلي، فأصبت خالة لي قاعدة، وهي: سعدى بنت كريز، وكانت قد تكهنت عند قومها، فلما رأتني قالت: