تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صلى الله عليه وسلم

قدر فوضع الفضول مواضعها وتبلغ بالترجية، فوالله لأضعن الفضول مواضعها، ولأتبلغن بالترجية، وإنما مثلي ومثل صاحبي كثلاثة سلكوا طريقا، فمضى الأول لسبيله وقد تزود فبلغ المنزل، ثم اتبعه الآخر فسلك سبيله فأفضى إليه، ثم اتبعه الثالث، فإن لزم طريقهما ورضي بزادهما لحق بهما، وإن سلك غير طريقهما لم يلقهما.

الفصل الخامس

| في مقتله ومناقبه وأسرته

(1) مقتله

كان مقتل الخليفة عمر بن الخطاب جريمة فظيعة ائتمر فيها نفر من أعداء الإسلام والعروبة الذين قضى على ممالكهم، وأذل نفوسهم، ونشر فيهم راية الإسلام من الفرس واليهود والنصارى الذين تظاهروا بالإسلام وهم يكيدون له ويتربصون به الدوائر، بالخليفة الذي تم زوال ملكهم على يديه، وجعلهم خاضعين لهؤلاء العرب الذين كانوا بالأمس لا شأن لهم ولا رأي ولا فضل ولا مكانة.

تآمر بمقتل عمر يهودي مجرم تظاهر بالإسلام وأبطن الكفر والكيد والفتنة اسمه كعب الأحبار، عرف بفساد طويته وبنشره الأباطيل والأكاذيب بين المسلمين، كما تآمر بمقتله الهرمزان، ذلك الأمير الفارسي المجوسي الذي رأينا كيف جيء به إلى عمر بعد أن عاث في الأرض فسادا ونقض العهد مرات، وأراد عمر أن يقتله فاحتال عليه، وأعلن إسلامه وأبطن الشرك، فعفا عنه وأسكنه المدينة، وخصص له ما خصص لكبار المجاهدين من أموال بيت مال المسلمين، ولكنه كان مجوسيا مجرما، يبطن الشر ويتحين الفرص.

وكان ثالث المتآمرين عبد لئيم زنيم اسمه فيروز أبو لؤلؤة، كان مولى للمغيرة بن شعبة، وكان شديد الحقد على العرب والمسلمين، ولم يزل كلما جيء إلى المدينة ببعض أسرى الفرس ورقيقهم يمسح رءوسهم ويتوعد المسلمين.

ورابع المتآمرين هو نصراني اسمه جفينة، قالوا إنه كان من أهل الأنبار، وكان شديد الحقد على العرب وعلى عمر خاصة. ويروي بعض المؤرخين أن عبد الرحمن بن أبي بكر رأى قبل مقتل عمر أبا لؤلؤة مع الهرمزان وجفينة جالسين يتحدثون، فلما فاجأهم قاموا وقوفا، فسقط بينهم خنجر له رأسان نصابه في وسطه، وهو الخنجر الذي حمله فيروز أبو لؤلؤة لقتل عمر، وقتل نفسه بعد أن أخذ بفعلته.

ولا شك في أن مقتل عمر كان أعظم مصيبة حلت بالمسلمين بعد موت رسول الله

صلى الله عليه وسلم ؛ فقد كانت الفجيعة بعمر - وهو الذي نشر راية الإسلام من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب، وهو يريد أن يتمم رسالة محمد - فجيعة كبرى قضت على آماله الجسام، وحطمت أهدافه الجليلة. وقد روى البخاري تفصيل حادث القتل رواية عن عمرو بن ميمون، نورده فيما يلي:

قال عمرو: إني لواقف ما بيني وبينه (بين عمر) عبد الله بن عباس غداة أصيب، وكان إذا مر بين الصفين قال: استووا. حتى إذا لم ير فيهم خللا تقدم فكبر، وربما قرأ سورة يوسف أو النمل أو نحو ذلك في الركعة الأولى حتى يجتمع الناس، فما هو إلا أن كبر، فسمعته يقول: قتلني أو أكلني الكلب حين طعنه أبو لؤلؤة، فسار العلج بسكين ذي طرفين لا يمر على أحد يمينا وشمالا إلا طعنه حتى طعن ثلاثة عشر رجلا، فمات منهم سبعة، فلما رأى ذلك رجل من المسلمين طرح عليه برنسا، فلما ظن العلج أنه مأخوذ غز نفسه. وتناول «عمر» يد عبد الرحمن بن عوف فقدمه، فمن يلي عمر رأى ذلك الذي أرى.

وأما نواحي المسجد فإنهم لا يدرون غير أنهم فقدوا صوت عمر، وهم يقولون «سبحان الله! سبحان الله!» فصلى بهم عبد الرحمن بن عوف صلاة خفيفة، فلما انصرفوا قال: يا ابن عباس، انظر من قتلني، فجال ساعة ثم قال: غلام المغيرة، قال: الصنع؟ قال: نعم، قال: قاتله الله، لقد أمرت به معروفا، والحمد لله الذي لم يجعل ميتتي بيد رجل يدعي الإسلام، وقد كنت أنت وأبوك تحبان أن تكثر العلوج بالمدينة، وكان العباس أكثرهم رقيقا، فقال: إن شئت فعلت (أي: إن شئت قتلنا)، قال: كذبت، بعدما تكلموا بلسانكم، وصلوا إلى قبلتكم، وحجوا حجكم. فاحتمل إلى بيته فانطلقنا معه، وكأن الناس لم تصبهم مصيبة قبل يومئذ، فقائل يقول: لا بأس عليه، وقائل يقول: أخاف عليه، فأتي بنبيذ فشربه، فخرج من جوفه، ثم أتي بلبن فشربه، فخرج من جوفه، فقالوا: إنه ميت. فدخلنا عليه، وجاء الناس يثنون عليه، وجاء رجل شاب فقال: أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى الله لك من صحبة رسول الله

عصر الخلفاء الراشدين: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثالث) · الصفحة ٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الخلفاء الراشدين: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثالث)ص ٦١