تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صلى الله عليه وسلم ، وقدم الإسلام ما قد علمت، ثم وليت فعدلت، ثم شهادة. قال: وددت أن ذلك كفاف لا علي ولا لي، فلما أدبر إذا إزاره يمس الأرض، قال: ردوا الغلام، قال: يا ابن أخي، ارفع ثوبك، فإنه أنقى لثوبك، وأتقى لربك، يا عبد الله بن عمر، انظر ما علي من الدين، فحسبوه فوجدوه ستة وثمانين ألفا أو نحوه، وقال: إن وفى بذلك مال آل عمر فأدوه من أموالهم، وإلا فسل في بني عدي بن كعب، فإن لم تف أموالهم فسل في قريش، ولا تعدهم إلى غيرهم، فأد عني هذا المال، انطلق إلى عائشة أم المؤمنين فقل: يقرأ عليك عمر السلام، ولا تقل أمير المؤمنين فإني لست اليوم أمير المؤمنين، وقل: يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه. فسلم واستأذن فدخل عليها، فوجدها قاعدة تبكي، فقال: يقرأ عمر بن الخطاب السلام، ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه، فقالت: كنت أريده لنفسي ولأوثرن به اليوم على نفسي. فلما أقبل قيل: هذا عبد الله بن عمر قد جاء، قال: ارفعوني، فأسنده رجل إليه، فقال: ما لديك؟ قال: الذي تحب يا أمير المؤمنين، أذنت. قال: الحمد لله، ما كان شيء أهم إلي من ذلك، فإذا قضيت فاحملوني، ثم سلم فقل: يستأذن عمر بن الخطاب، فإن أذنت فأدخلوني، وإن ردتني ردوني إلى مقابر المسلمين. وجاءت أم المؤمنين حفصة والنساء تسير معها، فلما رأيناها قمنا، فولجت عليه داخلا لهم، فسمعنا بكاءها من الداخل، فقالوا: أوص يا أمير المؤمنين استخلف، فقال: أتحمل أمركم حيا وميتا، لوددت أن حظي منها الكفاف لا علي ولا لي، وإن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني (يعني أبا بكر)، وإن أترككم فقد ترككم من هو خير مني (يعني رسول الله)، فقال عبد الله بن عمر: فعرفت أنه حين ذكر رسول الله أنه غير مستخلف، ثم قال عمر: ما أجد أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر الذين توفي رسول الله وهو راض عنهم، فسمى عليا وعثمان والزبير وسعدا وطلحة وعبد الرحمن بن عوف، وقال : يشهدكم عبد الله بن عمر، وليس له من الأمر شيء كهيئة التعزية له، فإن أصابت الإمرة سعدا فهو ذاك، وإلا فليستعن به أيكم ما أمر، فإني لم أعزله عن عجز ولا خيانة.

ثم أوصي الخليفة من بعدي بالمهاجرين الأولين أن يدفع لهم حقهم ويحفظ لهم حرمتهم، وأوصيه بالأنصار خيرا الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم، وأن يقبل من محسنهم، وأن يعفو عن مسيئهم، وأوصيه بأهل الأمصار خيرا فإنهم ردء الإسلام وجباة المال وغيظ العدو، وألا يأخذ عنهم إلا فضلهم عن رضاهم، وأوصيه بالأعراب خيرا، فإنهم أصل العرب ومادة الإسلام، وأن يأخذ من حواشي أموالهم وترد على فقرائهم، وأوصيه بذمة الله وذمة رسول الله

صلى الله عليه وسلم

أن يوفي لهم بعهدهم، وأن يقاتل من وراءهم، ولا يكلفوا إلا طاقتهم.

فلما قبض خرجنا به فانطلقنا نمشي، فسلم عبد الله بن عمر وقال: يستأذن عمر بن الخطاب، قالت: ادخلوا، فأدخل فوضع هناك مع صاحبيه، رضوان الله عليه وسلام عليه في العادلين الصالحين، ورحم الله بطنا أنجبت ذلك العبقري الخالد الذي بكاه الإسلام، وصدق رسول الله إذ يقول مرددا قول جبريل له

صلى الله عليه وسلم : يا محمد، ليبكين الإسلام من بعد موتك على موت عمر.

1 (2) مناقبه

كان عمر من عباقرة الدنيا عقلا وفطنة وشرفا وأخلاقا، وكان أجل صفاته العدل، وإحقاق الحق، وإدحاض الباطل، وكان جنديا شريفا طاهرا مؤمنا مقلدا للرسول متبعا للسنة، لا يخرج عما أمر به الإسلام من آداب، ولا يتصف بغير ما أمر به من مناقب ومزايا نبيلة، قال الطبري: كانت درة عمر أهيب من سيف الحجاج، وكان يخافه ملوك فارس والروم وغيرهم. ولما ولي بقي على حاله قبل الولاية في لباسه وزيه وأفعاله وتواضعه، يسير مفردا في حضره وسفره من غير حرس ولا حجاب، لم تغيره الإمرة ولم تبطره النعمة، ولا استطال على مؤمن بلسانه، ولا حابى أحدا في الحق لمنزلته، لا يطمع الشريف في حيفه، ولا ييئس الضعيف من عدله، ولا يخاف في الله لومة لائم، ونزل نفسه من مال الله منزلة رجل من المسلمين، وجعل فرضه كفرض أي رجل من المهاجرين، وكان يقول: إنما أنا ومالكم كوالي مال اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف، فقيل له: ما ذلك المعروف يا أمير المؤمنين؟ فقال: لا تقوم البهيمة الأعرابية إلا بالقضم أو الخضم.

عصر الخلفاء الراشدين: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثالث) · الصفحة ٦٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الخلفاء الراشدين: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثالث)ص ٦٢