أما سلب القتلى وأموالهم وسلاحهم فحق للقاتل لا ينازع في ذلك.
وأما عدد الجيش فلم يكن معلوما في العصر النبوي، ولا العصر الراشدي، بل كل مسلم عاقل قوي قادر على حمل السلاح هو مدعو للقتال ملزم بالنفرة، فإذا تخلف ظن فيه النفاق، وعوقب أشد العقاب. وكان كل مسلم يعتقد أن الجهاد أول واجب عليه حتى ينصر دين الله، ولم تكن النساء والشبان الأحداث أقل حماسة في الجهاد من الرجال، ولقد ظهر لبعض النساء من الجرأة والبطولة ما خلدهن في بطون التاريخ، وكان كثير من الصبيان والأحداث يتسابقون إلى تسجيل أسمائهم في جداول الغزاة، ويحزنهم أن يردوا ويكتشف أن أعمارهم لا تخول لهم الانخراط في سلك الغزاة المجاهدين.
أما الروح المعنوية للجيش الإسلامي فكانت عجيبة، وكان المسلمون إذا خفوا للجهاد لم يردهم عن هدفهم إلا الموت أو النصر، وليس لهم غرض إلا إعلاء كلمة الله ورفع راية الإسلام، وكان من عادة قادة الجيش أن يبثوا القراء والمحرضين والمنشدين والقصاص يدعون الجنود إلى الاستماتة والاستشهاد في سبيل الله، وبذلك تمكن المسلمون بعددهم القليل وعدتهم المحدودة أن يفتكوا بتلك الدول العظمى التي تفوقهم عددا وعدة ومالا وسلطانا ونفوذا. (5) التنظيمات المالية
رأينا أن بيت المال كان موجودا منذ عهد النبي والصديق، ولكن المشهور أن عمر هو أول من نظم بيت المال، ولا ريب في أن الأموال التي تقاطرت إلى المدينة في العهد العمري كانت جد كثيرة امتلأ بها بيت المال، من زكاة المسلمين، وجزية أهل الذمة، وخمس الغنائم، ومواريث من لا وارث لهم، وقد عني الخليفة الراشد الثاني بتنظيم مصارف هذه الأموال تنظيما صحيحا لا يتطرق إليه الاضطراب أو الفساد.
أما مصارف الزكاة فهي كما أمر الله بتوزيعها عليهم في قوله:
إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم ، أما الفقراء والمساكين: فهم من لا يملكون قوت يومهم، وأما العاملون عليها: فهم العمال الذين يسميهم الخليفة لقبض تلك الأموال من أصحابها الذين وجبت عليهم.
وأما المؤلفة قلوبهم: فهم قوم من الأشراف والكبراء أسلموا، وفي إسلامهم ضعف، أو إنهم لم يسلموا ولكنهم بعد هذا العطاء قد يسلمون.
وأما الرقاب: فيراد بها رقاب العبيد الذين كاتبهم أسيادهم على شيء من المال يعطونه إياهم، فإذا أعطوهم إياه أعتقوهم، أو أن تشترى الرقاب فتعتق في سبيل الله.
وأما الغارمون: فهم الذين ركبتهم الديون الباهظة ولم يستطيعوا تسديدها.
وأما سبيل الله: فهو سبيل الجهاد لنصرة دين الله.
وأما ابن السبيل: فهو المرء الضائع المنقطع عن أهله وماله.
وأما أموال الجزية والأخماس فتصرف في سبيل الله وتهيئة عدة الجيوش من سلاح وخيل وقوة، وأما مواريث الموتى فتصرف فيما يراه الإمام، ولم يكن للجنود شيء مسمى من المال، وإنما كان النبي وأبو بكر يعطيان ما يتيسر للمقاتلة، فلما جاء عمر ودون الدواوين وكثرت الأموال فرض للمقاتلين الأموال، فجعل للعباس خمسة وعشرين ألف درهم في السنة، وجعل لأزواج رسول الله عشرة آلاف عشرة آلاف، وجعل لأهل بدر خمسة آلاف خمسة آلاف، ولنسائهم خمسمائة خمسمائة، وألحق بأهل بدر أربعة ليسوا منهم، وهم : الحسن، والحسين، وأبو ذر، وسلمان الفارسي، ولمن بعد بدر إلى الحديبية أربعة آلاف أربعة آلاف، ولنسائهم أربعمائة أربعمائة، ولمن بعد الحديبية إلى آخر عهد أبي بكر ثلاثة آلاف ثلاثة آلاف، ولنسائهم ثلاثمائة ثلاثمائة، ولمن شهد القادسية واليرموك ألفين ألفين، ولنسائهم مائتين مائتين، ولأهل البلاد النازع منهم ألف وخمسمائة، ولنسائهم مائتين مائتين، ولمن بعد القادسية واليرموك ألفا ألفا، ولنسائهم كمن قبلهم، وللروادف المثنى خمسمائة خمسمائة، ثم للروادف الثليث بعدهم ثلاثمائة ثلاثمائة، وفرض للروادف الربيع مائتين وخمسين، وفرض لمن بعدهم، وهم أهل هجر والعباد مائتين مائتين، سوى كل طبقة في العطاء، قويهم وضعيفهم، عربهم وعجمهم، وللصبيان مائة مائة، وكل مسكين جريبتين في الشهر، وقال عمر لأهل الشورى: إني كنت امرأ تاجرا يغني الله عيالي بتجارتي، وقد شغلتموني بأمركم هذا، فما ترون أنه يحل لي من هذا المال؟ فقال علي: لك ما أصلحك وعيالك بالمعروف، ليس لك غيره، فأخذ قوته واشتدت بعد ذلك حاجاته، فاجتمع نفر من أهل الشورى فيهم عثمان وعلي وطلحة والزبير، وقالوا: لو قلنا لعمر في زيادة نزيده إياها في رزقه، فقال عثمان: هلم بنا فلنعلم ما عنده من وراء وراء، فأتوا أم المؤمنين حفصة بنت عمر، فأعلموها الحال، وأوصوها ألا تخبر بهم، فلقيت حفصة عمر بذلك، فغضب وقال: من هؤلاء لأسوأنهم؟ قالت: لا سبيل إلى علمهم، قال: أنت بيني وبينهم، ما أفضل ما اقتنى رسول الله في بيتك من الملبس؟ قالت: ثوبين ممشقين كان يلبسهما للوفد والجمع، قال: فأي الطعام ناله عندك أرفع؟ قالت: حرفا من خبز شعير فصببنا عليه وهو حار أسفل عكة لنا فجعلها دسمة حلوة فأكل منها، قال: فأي مبسط يبسط عندك كان أوطأ؟ قالت: كساء ثخين كنا نربعه في الصيف، فإذا كان الشتاء بسطنا نصفه وتدثرنا بنصفه، قال: يا حفصة، أخبريهم أن رسول الله