فكتب عمر إلى سعد بذلك، فخلى سعد عن الفلاحين، وأرسل إلى الدهاقين، ودعاهم إلى الإسلام أو الجزية ولهم الذمة، فتراجعوا إلى ديارهم، ولم يبق غربي دجلة سوادي إلا دخل ذمة المسلمين، وفرح الأعاجم بذلك، ولما اشتد الحصار على المدائن القريبة نزلها «يزدجرد» ولحق بالمدائن الشرقية، فرأى سعد أن يعبر النهر، فعبره هو وجمع من أبطال المسلمين، فلما رأى الفرس ذلك اضطرب يزدجرد، ورأى أن لا مفر له من الهرب والنجاة بنفسه، فقصد حلوان، ودخل سعد وإخوانه المدائن، وحلوا في القصر الأبيض، فصلى فيه، وقرأ قوله تعالى:
كم تركوا من جنات وعيون * وزروع ومقام كريم .
ثم أخذ يجمع الأسلاب والغنائم، وأصاب الفارس اثني عشر ألفا، وصارت المدائن قاعدة الأعمال الحربية في العراق والمشرق، وأقيمت فيها أول جمعة في صفر من سنة 16ه، وبعث سعد بالأخماس وذخائر كسرى إلى عمر، ومنها بساط كان لكسرى طوله ستون ذراعا في ستين، ونفائس أخرى كثيرة، وأفاء الله على المسلمين ما كان لكسرى ولآله، وما كان في بيوت النيران، وبعث عمر إلى سعد بولاية الصلاة على كل مسلم من ملل فارس، وولى على الخراج النعمان بن مقرن على ما سقت دجلة، وولى أخاه سويدا على ما سقى الفرات، ثم استعفياه، فولى على ذلك حذيفة بن أسيد، وجابر بن عمرو المزني، ثم عزلهما، وولى عملهما حذيفة بن اليمان، وعثمان بن حنيف.
ثم أخذ سعد يتبع فلول الفرس الذين لجئوا إلى «جلولاء» وقد تحصنوا بخندقها، فهجم عليه القعقاع في صفر من سنة 16ه فقاتلهم قتالا مريرا وفتك بهم، فهرب قادتهم إلى «خانقين» فتبعهم المسلمون، وعلم سعد أن يزدجرد ترك «حلوان» إلى «الري»، فبعث من احتل «حلوان» وفتح «نينوى» و«الموصل»، وهكذا سيطر سعد على العراقين العربي والعجمي، وانحصر الفرس في بلادهم، فكتب سعد إلى عمر يسأله في لحاق الفرس إلى داخل بلادهم، فكتب إليه عمر ينهاه عن التوغل، وقال له في كتاب: «وددت أن بين السواد والجبل سدا حصينا من ريف السواد؛ فقد آثرت سلامة المسلمين على الفيء والأخماس.» ثم بلغ سعدا أن جمعا عظيما من الفرس تجمعوا للقائه بسهل «ماسبذان»، فأرسل إليهم ضرار بن الخطاب الفهري، فشتت شملهم وأقام بماسبذان مرابطا، وراح سعد يرتب أمور السواد ويتمم تخطيط الكوفة، كما سنرى تفصيله بعد. (3) في فتوح إيران
كانت أول هجمة عربية على أراضي القادسية هي محاولة العلاء بن عبد الله الحضرمي أمير البحرين الذي تولاها أيام الرسول وأبي بكر وعمر، فإنه لما رأى فتوح سعد بن أبي وقاص في العراق أراد هو أن يوجه إليهم بجند يغزونهم من البحر، فبعث ثلاث فرق لفتح الخليج الفارسي، على إحداها الجارود بن المعلى العبدي، وعلى الثانية السوار بن همام، وعلى الثالثة خليد بن المنذر بن ساوى، ولكن مما يؤسف له أن هذا العمل كان نوعا من المغامرة التي لم يستشر فيها الخليفة عمر؛ فقد كان يرهب البحر على العرب، ولا يرى أن يغامر العرب في الدخول إليه والمحاربة فيه، ولما سارت سفن المسلمين نحو «برسوبوليس» لقيهم الفرس في جمع عظيم، وحالوا دون وصول المراكب الإسلامية إلى الميناء، فقام خليد في الناس فقال: أما بعد فإن الله إذا أراد أمرا جرت به المقادير حتى تصيبه، وإن هؤلاء القوم لم يزيدوا بما صنعوا على أن دعوكم إلى حربهم، وإنما جئتم والسفن والأرض لمن غلب،
واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين ، فأجابوه إلى ذلك، فصلوا الظهر، ثم ناشدهم فاقتتلوا قتالا شديدا، ودارت الدائرة على المسلمين، فهلك منهم السوار والجارود، ولما أراد المسلمون الرجوع إلى بلادهم عن طريق البر لم يمكنهم الفرس، فحصروهم من كل جانب، وبلغ عمر ما فعله العلاء، فغضب عليه أشد الغضب، وكتب إليه يعزله ويتوعده.