تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي الصباح زحف المسلمون يتقدمهم المرقال، وانتدب سعد القعقاع لقتل الفيل الأبيض الأكبر، كما انتدب آخرين لقتل الفيلة الأخرى وفقء عيونها، وحمي الوطيس واشتدت المعركة وقتل من الجانبين جمع كبير، ولكن الغلبة كانت للمسلمين، وقد أبلى فيها بنو أسد خير البلاء، واستمر القتال إلى ساعة متأخرة من الليل بل إلى الصباح، وكان القعقاع ينادي: إن الدائرة تكون لمن صبر ساعة، فاصبروا ساعة فإن النصر لمن صبر، واستمر القتال إلى الظهيرة، فأخذت كفة المسلمين ترجح، وأخذ الفرس يتقهقرون، وكان أول من زال عن موضعه من قواد الفرس «الهرمزان» و«الفيرزان»، ثم حمل هلال بن علقة بنفسه على القلب حيث رستم، فاستطاع أن يصل إليه ويقتله، فلما رأى قومه ذلك أخذوا يتسللون ويهربون وينهزمون، وأخذ ضرار بن الخطاب الراية الفارسية العظمى «درفش كابيان»، وانتهى اليوم والنصر معقود لواؤه للمسلمين، ويسمى هذا اليوم «يوم عماس»، وليلته «ليلة القادسية»، وبعد تمام الهزيمة وتضعضع الجند الفارسي أمر سعد بجمع الأسلاب والغنائم، وكانت لا تكاد تحصر، فقسمها سعد كما أمر الله، وهنأ الجند الإسلامي بهذا الفوز الباهر، وكتب إلى عمر يبشره ويبعث إليه بالخمس، وكان عمر يخرج كل يوم إلى ضواحي المدينة يتنسم الأخبار حتى يرده حر الظهيرة، فلما جاءه البشير لاقاه عمر وهو يسير سيرا حثيثا، فسأله عمر: من أين؟ فأخبره الرجل أنه آت من قبل سعد، فقال: يا عبد الله، حدثني ، فقال: هزم الله المشركين، وعمر يخب وراءه والرجل لا يعرفه حتى دخل المدينة، فإذا الناس يسلمون عليه بإمرة المؤمنين، فقال البشير: هلا أخبرتني رحمك الله يا أمير المؤمنين، فقال عمر: لا بأس عليك يا أخي، وكان في كتاب سعد إلى عمر قوله: «أما بعد فإن الله نصرنا على أهل فارس، ومنحهم سنن من كان قبلهم من أهل دينهم بعد قتال طويل، ونزال شديد، وقد لقوا من المسلمين ما لم ير الراءون مثله، فلم ينفعهم الله بذلك بل سلبهموه ونقله عنهم إلى المسلمين، واتبعهم المسلمون على الأنهار وعلى ضفاف الآجام وفي الفجاج، وأصيب من المسلمين سعد بن عبيد القارئ، وفلان وفلان، ورجال من المسلمين لا نعلمهم الله بهم عالم كانوا يدوون بالقرآن إذا جن عليهم الليل دوي النحل، وهم آساد الناس لا تشبههم الأسود، ولم يفضل من مضى منهم من بقي إلا بفضل الشهادة إذا لم تكتب لهم.»

وكانت هذه المعركة هي المعركة الفاصلة للفتح الإسلامي في بلاد فارس، وقد قتل فيها من أبطال فارس ورجالاتهم عدد عظيم، وأقام سعد بعدها بالقادسية شهرين ينتظر أمر عمر حتى جاءه الأمر بالسير إلى المدائن وفتحها، وتخليف النساء والعيال بالعتيق مع جند يحوطهم، وأمره أن يشركهم في كل مغنم ما داموا يخلفون المسلمين في عيالهم، ففعل. ثم سار سعد بالجيش يتتبع فلول المنهزمين عند «بروس»، ففتحوها وهزموا من فيها، ثم ساروا نحو «بابل» ففتحوها وهزموا من فيها أيضا، وهرب «الهرمزان» إلى الأهواز، و«الفيرزان» إلى نهاوند.

ثم سار سعد فافتتح «كوثى» و«ساباط» وساروا نحو «المدائن»، ولما رأوا إيوان كسرى تذكروا وعد رسول الله لهم بفتح إيوان كسرى، فقويت قلوبهم، ونادى ضرار بن الخطاب: الله أكبر، هذا أبيض كسرى، هذا ما وعد الله وصدق رسوله، وكبر وكبر المسلمون، وحاصر سعد المدينة في ذي الحجة من سنة 14ه، وكتب إلى عمر يبشره ويخبره ويستشيره في أمر فلاحي السواد، فجمع عمر أهل الشورى من المسلمين في المسجد، وخطبهم فقال: «إنه من يعمل بالهوى والمعصية يسقط حظه، ولا يضر إلا نفسه، ومن يتبع وينته إلى الشرائع ويلزم سبيل النهج ابتغاء ما وعد الله لأهل الطاعة أصاب أجره وظفر بحظه، وقد ظفر أهل الأيام والقوادس بما يليهم، وجلا أهله، وأتاهم من أقام على عهدهم، فما رأيكم فيما زعم أنه استكره وحشر، وفيمن لم يدع ذلك ولم يقم وجلا، وفيمن أقام ولم يدع شيئا ولم يحل، وفيمن استسلم؟» فأجمعوا على الوفاء لمن أقام وكف ولم يزده غلبه إلا خيرا، وأن من ادعى فصدق أو وفى فبمنزلتهم، وإن كذب نبذ إليهم وأعادوا صلحهم، وأن يجعل أمر من جلا إليهم، فإن شاءوا دعوهم وكانوا لهم ذمة، وإن شاءوا أتموا على منعهم من أرضهم، ولم يعطوا إلا القتال، وأن يخيروا من أقام واستسلم بهذا الجزاء والجلاء.

عصر الخلفاء الراشدين: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثالث) · الصفحة ٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الخلفاء الراشدين: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثالث)ص ٥٢