تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم كتب إلى سعد يؤمره على العلاء ويطلب إلى عتيبة بن غزوان أمير البصرة أن ينقذ المسلمين، فبعث إليهم اثني عشر ألف مقاتل، وجعل عليهم أبا سبرة بن أبي رهم، فسار حتى التقى بالفرس فقاتلهم حتى هزمهم واستخلص المسلمين المحصورين، وغنم مغانم كثيرة، واستأذن عتيبة عمر في الحج فأذن له، فلما قضى حجه استعفاه، فأبى أن يعفيه، وعزم عليه ليرجعن إلى عمله، فهلك في الطريق. وبعد أن تم لعتيبة استخلاص الجند الإسلامي علم أن الهرمزان الذي كان انهزم من القادسية ولجأ إلى الأهواز قد أخذ يهيئ جيشا لغزو المسلمين، كتب عتيبة إلى عمر يخبره بخبره، فكتب عمر إلى سعد أمير الكوفة أن يمد عتيبة بجيش، فبعث إليه فرقة من المقاتلين الأبطال، عليهم نعيم بن مقرن، ونعيم بن مسعود، وأمرهما أن يأتيا إلى «ميسان» حتى يكونا بين البصر، ويدعوا من يقيم هناك من العرب ليكونوا مع المسلمين في قتال الفرس، فتجمع الكل ولاقوا «الهرمزان» فهزموه، ودخل «خوزستان» وكتب فيها يطلب الصلح، فصولح على ما دون «الأهواز» و«مناذر» و«نهر تيري»، وكان ذلك الصلح في السنة السابعة عشرة، وكتب عتيبة بذلك إلى عمر، ووفد إليه وفدا من وجوه أهل البصرة وفيهم الأحنف بن قيس، فلما قدموا على عمر رحب بهم وسألهم حاجاتهم، فطلبوا لأنفسهم ما يريدون إلا الأحنف، فإنه قال: يا أمير المؤمنين، إنك لقد يعزب عنك ما يحق علينا إنهاؤه إليك مما فيه صلاح العامة، وإنما ينظر الوالي فيما غاب عنه بأعين أهل الخير ويسمع بآذانهم، وإنا لم ننزل منزلا بعد منزل حتى أرزنا، وإن إخواننا من أهل الكوفة نزلوا في مثل حدقة البعير الفاسقة من العيون العذاب والجنان الخصاب، فتأتيهم ثمارهم ولم تخضد، وإنا معشر أهل البصرة نزلنا سبخة هشاشة زعقة نشاشة طرف لها في الفلاة، وطرف لها في البحر الأجاج.

فلما سمع قوله أقطعهم ما كان لأهل كسرى، ثم قال: إن هذا سيد قومه، وكتب إلى عتيبة أمير البصرة أن يسمع منه، وأرجعهم إلى بلدهم، ولم يكادوا يصلون حتى ثار الهرمزان ونقض عهد الصلح واستعان بالأكراد، فكتب عتيبة بذلك إلى عمر، فأجابه بأن يقصده، وأمد المسلمين بحرقوص بن زهير السعدي، فأتى البصرة وقصد الهرمزان فقاتله وهزمه وفتح «سوق الأهواز»، وكتب بذلك إلى عمر، وبعث إليه بالأخماس، وأحس الهرمزان بضعفه، فصالح حرقوصا، وفي هذه الأثناء مات عتيبة بن غزوان أمير البصرة، فولاها عمر المغيرة بن شعبة، ثم أبا موسى الأشعري، وأعانه على إدارتها ببضعة وعشرين من أصحاب رسول الله، فيهم أنس بن مالك، وعمران بن حصين، وهشام بن عامر، فلما قدموا عليه جهز حملة كبيرة بقيادة أبي سبرة بن أبي رهم، وسار نحوه، فتحصن الهرمزان فحاصروها، ولما اشتد الحصار على الفرس صالحوا المسلمين، ووقع الهرمزان أسيرا، فطلب النزول على حكم عمر.

ثم سار الجيش الإسلامي ففتح «السوس»، و«جنديسابور»، وغنم المسلمون مغانم كبيرة، وبعث أبو سبرة وفدا مبشرا إلى عمر بعث معه بالغنائم والأخماس، وأرسل الهرمزان معهم إلى المدينة، وكان في الوفد الأحنف بن قيس، وأنس بن مالك، فلما قدم الوفد المدينة ألبس الهرمزان تاجه المرصع ليراه الخليفة والمسلمون على تلك الحال، وساروا نحو المسجد، فإذا عمر نائم والدرة في يده، فقال الهرمزان: أين عمر؟ فقالوا: هذا هو، فقال: أين حرسه وحجابه؟ فقالوا: ليس له حاجب ولا حارس، قال: فينبغي أن يكون نبيا! قالوا: بل يعمل بعمل الأنبياء، ثم استيقظ عمر فأخبر بأمر الهرمزان، فقال: الحمد لله الذي أذل بالإسلام هذا وأشباهه، ثم أمر أن ينزع ما عليه وأن يلبس ثوبا صفيقا، وقال له: كيف رأيت عاقبة الغدر وعاقبة أمر الله؟ فقال: يا عمر، إنا وإياكم في الجاهلية؛ لأن الله قد خلى بيننا وبينكم، فغلبناكم إذ لم يكن معنا ولا معكم، فلما كان معكم غلبتمونا، فقال عمر: إنما غلبتمونا بالجاهلية باجتماعكم وتفرقنا، ثم قال عمر: ما عذرك في انتقاضك مرة بعد مرة؟ فقال: أخاف أن تقتلني قبل أن أخبرك، فقال عمر: لا تخف ذلك، واستسقى ماء فأتي به، فقال: إني أخاف أن أقتل وأنا أشرب الماء، فقال عمر: لا بأس عليك حتى تشربه، فأكفأ الهرمزان الماء، فقال عمر: أعيدوا عليه الماء، ولا تجمعوا عليه القتل والعطش، فقال الهرمزان: لا حاجة لي في الماء، وإنما أردت أن أستأمن به، فقال له عمر: إني قاتلك، فقال: أمنتني، فقال: كذبت، فقال أنس بن مالك: صدق، ثم أسلم الهرمزان وسكن المدينة، وفرض له عمر ألفين، وقال للوفد: لعل المسلمين يفضون إلى أهل الذمة بأذى، فقالوا: ما نعلم إلا وفاء وحسن ملكة، قال: فكيف هذا؟ فقال الأحنف: إنك نهيتنا عن الانسياح في البلاد، وأمرتنا بالاقتصار على ما في أيدينا، وإن ملك فارس حي بين أظهرهم، وإنهم لا يزالون يساجلوننا ما دام ملكهم فيهم، ولم يجتمع ملكان فاتفقا حتى يخرج أحدهما صاحبه، ولا يزال هذا دأبهم حتى تأذن لنا فلنسح في أرضهم، فقال عمر: صدقني، وأذن في الانسياح ببلاد فارس وفتحها. (4) في وقعة نهاوند

عصر الخلفاء الراشدين: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثالث) · الصفحة ٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الخلفاء الراشدين: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثالث)ص ٥٤