11 (2)
معارضته في وجوب حجاب زوجات النبي؛ فقد رأى وجوب لزومهن بيوتهن، وقال لهن: لتكفن عن رسول الله أو ليبدلنه الله أزواجا خيرا منكن، فنزلت آية الحجاب كما رأى، ونزلت آية:
عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن . (3)
رأيه في تحريم الخمر في سائر الأزمان والأمكنة، وقد نزلت الآيات كما رأى في قوله تعالى:
يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه . (4)
رأيه في وجوب اتخاذ مقام إبراهيم مصلى للناس؛ فقد قال مرة للنبي: يا رسول الله، أليس هذا مقام إبراهيم أبينا؟ قال: بلى، قال عمر: فلو اتخذته مصلى، فأنزل الله قوله:
واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى . (5)
رأيه في وجوب الاستئذان قبل الدخول إلى البيوت؛ فقد رأى ألا يدخل الرجل بيتا غير بيته قبل الاستئذان من أهله، وقد كانوا في الجاهلية وصدر الإسلام يدخلون بدون ذلك، فنزل قوله تعالى:
يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها . (6)
رأيه في وجوب عدم الاستغفار للمنافقين؛ لأن ذلك لا يجدي، فقد طلب عبد الله بن عبد الله بن أبي من النبي أن يستغفر لأبيه أبي رئيس المنافقين لعله يخلص في إسلامه، فاستغفر له النبي، وكره عمر ذلك، فنزل القرآن موافقا لرأي عمر حيث يقول:
استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم . (7)
رأيه في وجوب عدم الصلاة على موتى المنافقين لما صلى الرسول على عبد الله بن أبي، فنزلت الآية مؤيدة رأي عمر:
ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون . (8)
سماعه صيغة الأذان في نومه، وإقرار النبي له بناء على تلك الرؤيا ...
وهنالك أشياء كثيرة أخرى قال بها فنزل الوحي بما قال، حتى روي عن عبد الله بن عمر أنه قال: ما اختلف أصحاب رسول الله
صلى الله عليه وسلم
في شيء فقالوا وقال عمر إلا نزل القرآن بما قال عمر. وقال علي: إن عمر ليقول القول فينزل القرآن بتصديقه. وقال علي أيضا: كنا نرى أن في القرآن لكلاما من كلامه ورأيا من رأيه. وقال علي أيضا: كنا نقول إن ملكا ينطق على لسان عمر.
12
وصفوة القول أن لعمر مواهب ومزايا انفرد بها عن جماعة الصحابة؛ فقد كان متفانيا في حب الله ورسوله، ومخلصا صادقا في الولاء لدينه ونبيه، منقبا عن الخير يهديه للمسلمين غير مقصر في نصحهم والسعي إلى إسداء المعونة إليهم. (4) أحواله في أيام أبي بكر
لما استخلف أبو بكر الصديق كان عمر أقرب الناس منه، يقدم إليه خالص النصح، ولا يقصر في معاونته وتسديد أموره، وكان عمر في جيش أسامة بن زيد الذي عزم الرسول على بعثه قبل وفاته، فلما توفي رسول الله واستخلف أبو بكر استأذن أسامة في أن يبقي عمر إلى جانبه يستشيره في أمور المسلمين ويستنير برأيه السديد، ولم يكتم عمر من أبي بكر شيئا مما فيه صلاح المسلمين ورشاد أمورهم، ولا عجب فإن عمر كان صاحب الكلمة المسموعة في عهد الرسول لإخلاصه ونقاوة سريرته وفهمه لحقائق الأشياء، فلما تولى الصديق وأحاطت به بعض الفتن والمشاكل لم يجد في غير عمر سندا وعضدا ووزيرا، ولما مات الرسول وارتدت العرب واضطرب حبل الإسلام ورأى بعض الصحابة وفيهم عمر أن يقبل الخليفة الصديق من المرتدين عدم إعطاء الزكاة، ثار أبو بكر ثورته التاريخية، واضطر عمر والصحابة أن يوافقوا أبا بكر ويقولوا بقوله، وكان قوله هذا الفصل الحق الذي أنجح الإسلام. والغريب في هذا الأمر أن أبا بكر المعروف بلينه وقف هذا الموقف الحازم، بينما وقف عمر المعروف بشدته هذا الموقف اللين، ولكنا حين نعرف أن عمر رجع على الفور إلى رأي الصديق نعرف أن عمر إنما قال ذلك حقنا للدماء وخوفا من الفشل في حرب أهلية والإسلام بعد ضعيف لم يقو القوة اللازمة، ولكنه ما لبث أن انشرح صدره (أي الفاروق) فقال بقوله، وسار بسيرته، وأيده في فكرته في قتال المرتدين، وقال: ما هو إلا أن رأيت أن الله شرح صدر أبي بكر حتى عرفت أنه الحق.