ولم يكن الصديق يقطع أمرا إلا استشار عمر فيه، فإن وافق عليه أمضاه وإلا عدل عنه إلى ما يراه، ومن ذلك ما يروى عن عيينة بن حصن الفزاري، والأقرع بن حابس التميمي أنهما قدما إلى أبي بكر فقالا: يا خليفة رسول الله، إن عندنا أرضا سبخة ليس فيها كلأ ولا منفعة، فإن رأيت أن تقطعنا لعلنا نحرثها أو نزرعها، ولعل الله أن ينفع بها بعد اليوم، فقال أبو بكر لمن حوله: ما تقولون فيما قالا إن كانت أرضا سبخة لا ينتفع بها؟ قالوا: نرى أن تقطعهما إياها لعل الله ينفع بها بعد اليوم، فأقطعهما إياها، وكتب لهما كتابا بذلك، وقال لهما: أشهدا عمر، فانطلقا إليه يشهدانه، فوجداه يهنأ بعيرا له، فقالا: إن أبا بكر قال: اشهد بما في هذا الكتاب، فنقرأ عليك أو تقرأ، فقال: أنا على الحال التي تريان، فإن شئتما فاقرآ، وإن شئتما فانتظرا حتى أفرغ فأقرأ عليكما، قالا: بل نقرأ، فقرآ، فلما سمع ما في الكتاب تناوله من أيديهما، وامتنع عن الإشهاد على ما جاء فيه، وقال لهما: إن رسول الله
صلى الله عليه وسلم
كان يتألفكما ، والإسلام يومئذ ذليل، وإن الله قد أعز الإسلام، فاذهبا فاجهدا جهدكما لا رعى الله عليكما إن رعيتما، فأقبلا على أبي بكر وهما يتذمران، فقالا: والله ما ندري أنت الخليفة أم عمر؟! فقال الصديق: لا بل هو لو شاء كان، ثم جاء عمر وهو مغضب، فوقف على أبي بكر فقال: أخبرني عن هذه الأرض التي أقطعتها هذين: أأرض هي لك أم للمسلمين عامة؟ فقال: بل للمسلمين عامة، فقال: ما حملك على أن تخص بها هذين دون جماعة المسلمين؟! قال: استشرت هؤلاء الذين حولي، فأشاروا علي بذلك، قال: فإذا استشرت هؤلاء الذين حولك، فكل المسلمين أوسعتهم مشورة ورضا! فقال أبو بكر: قد كنت قلت لك إنك أقوى مني على هذا، ولكن غلبتني.
13
فأنت ترى من هذه القصة أن أبا بكر يعترف بفضل عمر، ويرجع إلى أقواله وآرائه ولا يخالفه، بل يرى أنه أقوى منه على إدارة الأمور وتنظيم شئون الدولة وتصريف أحوالها، وكان أبو بكر يقول - كما روت ذلك السيدة عائشة: ما على الأرض أحد أحب إلي من عمر،
14
وكان أبو بكر يعهد إليه بالقضاء بين المسلمين، فيحكم فيهم بما أنزل الله، بينما جعل أبا عبيدة على المال، وجعل عليا وعثمان وزيد بن ثابت على كتابة شئون الدولة وتولي أمور الديوان.
الفصل الثالث
| في خلافته وأعماله فيها
لما أحس أبو بكر بدنو أجله رأى أن خير من يعهد إليه بخلافته هو عمر بن الخطاب؛ لما عرف فيه من الإخلاص والإيمان والشرف والقوة، فاستدعى عثمان بن عفان، وأملى عليه كتابا يعهد بالأمر بعده فيه لعمر، هذا نصه: «بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد به أبو بكر خليفة محمد رسول الله
صلى الله عليه وسلم
عند آخر عهده بالدنيا وأول عهده بالآخرة، في الحال التي يؤمن بها الكافر، ويتقي الفاجر، إني قد استعملت عليكم عمر بن الخطاب، فإن بر وعدل فذلك علمي به ورأيي فيه، وإن جار وبدل فلا علم لي بالغيب، والخير أردت، ولكل امرئ ما اكتسب، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.» فلما مات أبو بكر واستخلف عمر صعد المنبر، فقال: إني قائل كلمات فأمنوا عليهن ... وإنما مثل العرب مثل جمل آنف اتبع قائده، فلينظر قائده حيث يقود، وأما أنا فورب الكعبة لأحملنهم على الطريق.
1
وأما أعمال عمر في الدولة بعد أن تولى أمورها، فنجملها فيما يلي: (1) فتوح الشام
كان أول عمل دولي قام به أن كتب إلى أبي عبيدة يوليه على جند خالد بن الوليد في الشام،
2
وبعث إليه بكتاب قال فيه: «أوصيك بتقوى الله الذي يبقى ويفنى سواه، هدانا من الضلالة وأخرجنا من الظلمات إلى النور، وقد استعملتك على جند خالد بن الوليد، فقم بأمرهم الذي يحق عليك، لا تقدم المسلمين إلى هلكة رجاء غنيمة، ولا تنزلهم منزلا قبل أن تستريده لهم، وتعلم كيف مأتاه، ولا تبعث سرية إلا في كثف من الناس، وإياك وإلقاء المسلمين في الهلكة وقد أبلاك الله بي وأبلاني بك، فغمض بصرك عن الدنيا، وأله قلبك عنها، وإياك أن تهلكك كما أهلكت من كان قبلك؛ فقد رأيت مصارعهم.»