تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

8

وكذلك كان عمر شديد الحرص على قراءة قسمات وجوه الناس، ومعرفة خبايا صدور جفاة الأعراب الأفظاظ الذين كانوا يفدون على النبي الكريم ولا يقصدون بمجيئهم إليه الإيمان، بل التعنت والإيذاء؛ فكان عمر يعرف الصالح من الطالح، ويقرأ صفحات وجوههم وما انطوت عليه قلوبهم، وكان يلذع القساة منهم بقوارع كلامه، ويعرف كيف يخاطب أشرارهم ويستل سخائم صدورهم، فيضرب بدرته كل من يرى عنده شرا ويبطن سوءا للنبي أو أحد من صحابته وقرابته، فقد روي أن عمير بن وهب الجمحي عاهد صفوان بن أمية القرشي بعد وقعة بدر على أن يأتي المدينة ويقتل الرسول الكريم، فقدمها واستأذن على الرسول، فخرج إليه عمر وتفرس في ما انطوى عليه صدره، فرأى الشر في عينيه والخبث في كلامه، فأخذ حمالة سيفه وقال لجماعة من الأنصار: ادخلوا على رسول الله واحذروا هذا الخبيث، فلما رآه الرسول قال لعمر: اتركه، فخلى عنه، ثم سأله الرسول عما جاء به، فقال: ما جئت إلا لهذا الأسير، يعني أباه وهب الذي كان في عداد أسرى المشركين يوم بدر، فقال له الرسول: اصدقني، فقال: ما جئت إلا لذلك، فقال الرسول: بل قعدت أنت وصفوان وجرى بينكما كذا وكذا، فدهش ابن وهب وأسلم لساعته.

قال ابن عبد البر الأندلسي: قدم عمير يريد الفتك برسول الله بالمدينة حين انصرافه من بدر، وضمن له صفوان بن أمية على ذلك أن يؤدي عنه دينه، وأن يخلفه في أهله وعياله، ولا ينقصهم شيئا ما بقوا، فلما قدم المدينة وجد عمر على الباب فلببه، ودخل به على النبي وقال: يا رسول الله، هذا عمير بن وهب شيطان من شياطين قريش ما جاء إلا ليفتك بك، فقال: أرسله يا عمر، فأرسله، فضمه الرسول إليه وكلمه وأخبره بما جرى بينه وبين صفوان، فأسلم وشهد شهادة الحق ثم انصرف إلى مكة، ولم يأت صفوان، وبلغ ذلك صفوان، فقال: قد عرفت حين لم يبدأ بي قبل منزله أنه قد ارتكس وصبأ، فلا أكلمه أبدا، ولا أنفعه ولا عياله بنافعة، فوقف عليه عمير وهو في الحجر وناداه فأعرض عنه، فقال له عمير: أنت سيد من ساداتنا رأيت الذي كنا عليه من عبادة الحجر والذبح له، أهذا دين؟! أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، فلم يجبه صفوان بكلمة.

9

هذه بعض أعمال عمر بن الخطاب ومواقفه المحمودة بعد هجرته إلى المدينة، وهي كما ترى أعمال جليلة، ومواقف نبيلة، صانت الرسول وحفظت الدين. (3) آراؤه في التشريع وموافقة القرآن له

مما كان يتحلى به عمر هو عمق تفكيره ونفاذ بصيرته وفهمه لدقائق الأمور الدينية والاجتماعية فهما يوافق روح التشريع الإسلامي، وقد اختصه الله بخصائص لم ينلها صحابي آخر، فمن ذلك تأهله للنبوة لو وجدت بعد النبي، حتى إنه قال: «لو كان بعدي نبي لكان عمر بن الخطاب.» وقال: «لو لم أبعث لبعث عمر.»

10

فهذا يدلنا على ما امتاز به من الروح النفاذة إلى حقائق الأشياء والفهم الصحيح لأسرار الدين، والإلهام بما يحتاج إليه المسلمون، فقد روي عن عائشة عن النبي أنه قال: «قد يكون في الأمم محدثون - أي ملهمون - فإن يكن في أمتي أحد فهو عمر بن الخطاب.» ولا شك في أن هذا الحديث نوع من الإلهام الإلهي أنزله الله على قلب عمر فبصره بأمور لم يبصر بها غيره من الصحابة، وقد تواترت الأخبار بأن عمر رأى أشياء كثيرة، فنزل الوحي مقرا لها، فوافقها موافقة تامة، وقد بلغت هذه الموافقات العمرية للقرآن نيفا وعشرين قضية، أشهرها: (1)

معارضته لأبي بكر وجمهور الصحابة في قبول الفدية من أسرى بدر، وكان يرى أن يقتلوا فلم يقبل رسول الله رأيه وأخذ برأي جمهور الصحابة، فقبل الفداء ونزل قوله تعالى:

ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم * لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم * فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا واتقوا الله إن الله غفور رحيم ، ولما نزلت هذه الآية الكريمة قال النبي: كاد يصيبنا في خلافك شر.

عصر الخلفاء الراشدين: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثالث) · الصفحة ٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الخلفاء الراشدين: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثالث)ص ٤١