لقد رأى أبو بكر أن الخلافة - كما يدل عليها مصدر استقامتها - هي نيابة الرسول في «حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية والراجعة إليها؛ إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشرع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة، فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به.»
3
وهكذا سار أبو بكر بأمور المسلمين سياسة مطابقة لروح الشرع في أمور الدين، ولم يخالف روح الشرع في أمور الدنيا. ومما يدل على أن أبا بكر كان يعتقد أن الخلافة هي نيابة عن النبي في تنفيذ أحكام الشرع أن المسلمين حين أرادوا أن يلقبوه أول الأمر بلقب يميزونه به قالوا له: يا خليفة الله، كما كانوا يخاطبون محمدا بقولهم: يا نبي الله، فلم يرض بذلك، ونهاهم عن مخاطبته به، وقال: لست خليفة الله، ولكني خليفة رسول الله. ويعلق الفيلسوف الإمام ابن خلدون على هذا بقوله: «لا بد أن الاستخلاف إنما هو في حق الغائب، وأما الحاضر فلا.»
4
لذلك لقب أبو بكر بخليفة رسول الله؛ لأنه كان خلفه في تنفيذ أحكام الشرع وترتيب شئون الدولة الإسلامية، وكان عمر يلقب أول الأمر بخليفة خليفة رسول الله، ولكنهم رأوا أن ذلك اللقب طويل، فاختاروا لقب إمارة المسلمين كما سنرى تفصيل ذلك فيما بعد.
أما نظام الخلافة في عهد أبي بكر فهو وإن كان ذا مظهر انفرادي، فإنه لم يكن استبداديا ولا دكتاتوريا، وإنما كان نظاما شوريا انتخابيا، وكان أبو بكر لا يقطع أمرا دون استشارة كبار الصحابة، وبخاصة عمر وأبي عبيدة، ولم يكن سبب ذلك أن أبا بكر وعمر وأبا عبيدة قد تآمروا فيما بينهم قبل وفاة الرسول ويوم السقيفة على أن تكون الحكومة
Trimvirat ، وأن يتقاسم الثلاثة منافعها؛ فيكون أبو بكر للرئاسة وعمر للقضاء وأبو عبيدة للمال، كما يزعم بعض المستشرقين وعلى رأسهم القس اليسوعي لامنس، ولكن أبا بكر كان مشبعا بروح الإسلام الديمقراطية الشورية، فكان لا يقطع بأمر دون أخذ آراء أصحاب رسول الله، وبخاصة عمر وأبو عبيدة أو غيرهما من جلة المسلمين الأولين، أمثال: علي، وعثمان، وعبد الرحمن، وابن عباس، وخالد، وغيرهم، وإن هذا النظام الشوري الانتخابي الذي وضع الرسول أسسه ظل عليه أبو بكر، ثم سار عليه الخلفاء الراشدون حتى في عهد عثمان الذي يتهم بأنه كان مستبدا متسلطا، ولم ينقلب هذا النظام الشوري عن جادته إلا في عهد بني أمية وبني العباس، كما سنرى تفصيله بعد.
أما الطريقة التي تم بها استخلاف أبي بكر فقد كانت طريقة إسلامية ديمقراطية عربية بالشروط وعلى النحو الذي كان مألوفا لدى عرب الجاهلية والإسلام في انتخاب رئيس العشيرة، بأن يكون من أكرمهم بيتا، وأشرفهم نفسا، وأكبرهم سنا، وأكثرهم جودا وفضائل. يقول المؤرخ السير توماس أرنولد: «ويلاحظ أن انتخاب أبي بكر قد تم كما ينتخب شيخ القبيلة العربية؛ لأنه انتخاب يتفق والروح العربية.»
5
وأما الأسس التي وضعها أبو بكر دستورا لخلافته فتتجلى في خطبته الأولى يوم بويع البيعة العامة بقوله: «أيها الناس، قد وليت عليكم، ولست بخيركم ... إلخ»، ويمكننا إجمال مواد ذلك الدستور في النقاط التالية: (1)
إن الناس متساوون في كافة الحقوق والواجبات، وإنه لا قوي إلا صاحب الحق، ولا ضعيف إلا صاحب الباطل. (2)
إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هما ركنان من أركان الدولة. (3)
إن الأخلاق الفاضلة هي عماد الدولة. (4)
إن الجهاد فريضة محكمة. (5)
إن الخلافة العادلة الصالحة هي قوام كل شيء.
أما ما يتعلق بشئون الخلافة البكرية من حيث تراتيبها الديوانية والكتابية فإنه قد سار فيها على غرار سيرة الرسول الكريم، فرتب لها ديوانا تكتب فيه الرسائل التي تصدر عنه، فإما أن يكتبها هو بنفسه أو يستكتبها فتقرأ عليه، وكان عمر هو مستشار الدولة ووزيرها، وكان يتولى بالإضافة إلى ذلك شئون القضاء وتوزيع الزكاة، وكان أبو بكر يكاد لا يقطع في أمر دون أخذ رأي عمر فيه، ويليه في ذلك رأي أبي عبيدة، وكان عثمان بن عفان كاتب أبي بكر وصاحب رسائله، وكان يعتمد عليه في كتابة كل ما يتعلق بأمور الدولة وتنظيماتها ويعهد إليه بذلك، فيكتب إليه ما يشاء يقرؤه عليه ، فإن أقره بعث به، وإن رأى تغيير شيء فيه بدله كما يريد. وكان عثمان كاتبا زكنا، يلقف من أبي بكر ما يريد، ويتقبل منه ملاحظاته بصدر رحب، وكان أبو بكر معجبا بأمانته وصدقه، وقد بينا في الفصل الخاص بالكتابة في العهد النبوي أساليب الكتابة واصطلاحاتها، وطرق الكتابة وأنواعها. (2) الإمارة