صلى الله عليه وسلم
ما رددت جيشا جهزه رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، ولا حللت لواء عقده رسول الله، وأمر أسامة أن يمضي لوجهه ذلك، فجعل لا يمر بقبيل يريدون الارتداد إلا قالوا: لولا أن لهؤلاء قوة ما خرج مثل هؤلاء من عندهم، لكن ندعهم حتى يلقوا الروم، فلقوا الروم فهزموهم وقتلوهم ورجعوا سالمين، فثبتوا على الإسلام، وكان ذلك بفضل أبي بكر وحسن إدارته.
وإن أول ما يلاحظه المرء في إدارة أبي بكر هو مضاء عزمه، فإنه كان إذا ما حزبه أمر فكر فيه ودرسه من جميع نواحيه ثم قرر أمره، فإذا قرر لم يكد يغير، وهذه مزية من أجل مزايا رجال الأعمال والإدارة، فإن التردد والتراخي والاتكال على الآخرين مضيعة للوقت ومقتلة للمواهب، وما كان أبو بكر إلا عزوما حارفا، اتخذ من كتاب الله مرشدا ومن رسوله دليلا، ومن السنة المطهرة قائدا، فسير بذلك أعماله الإدارية فأتت على أحسن سبيل وأقوم نهج، رأى أن خالد بن الوليد سيف من سيوف الله، فسله على المشركين والمرتدين، وتناسى كل الهفوات التي كانت قد صدرت منه على الرغم من مخالفة بعض كبار الصحابة له في رأيه فيه، وعلى مقدمتهم عمر، فاستمسك أبو بكر بخالد وشجعه، وكان في ذلك الفوز للإسلام والنصر للعروبة.
وكان أبو بكر في إدارته مثال الرجل الكامل العاقل الفاضل، لم تؤثر عنه هفوة، ولا اتهم بمحاباة، ولا وقع في غلطة سوى ما قال هو عن نفسه؛ فقد روى الطبري أنه قال يوم موته: إني لا آسى على شيء من الدنيا إلا على ثلاث فعلتهن ووددت أني تركتهن، وثلاث تركتهن ووددت أني فعلتهن، وثلاث وددت أني سألت عنهن رسول الله
صلى الله عليه وسلم .
فأما الثلاث اللاتي وددت أني تركتهن: فوددت أني لم أكشف بيت فاطمة عن شيء، وإن كانوا قد غلقوه على الحرب، ووددت أني لم أكن حرقت الفجاءة السلمي، وأني كنت قتلته سريحا أو خليته نجيحا، ووددت أني يوم سقيفة بني ساعدة كنت قذفت الأمر في عنق أحد الرجلين،
1
فكان أحدهما أميرا وكنت وزيرا.
أما اللاتي تركتهن: فوددت أني يوم أتيت بالأشعث بن قيس أسيرا كنت ضربت عنقه، فإنه تخيل إلي أنه لا يرى شرا إلا أعان عليه، ووددت أني حين سيرت خالد بن الوليد إلى أهل الردة كنت أقمت بذي القصة، فإن ظفر المسلمون ظفروا، وإن هزموا كنت بصدد لقاء أو مددا، ووددت أني كنت إن وجهت خالد بن الوليد إلى الشام كنت وجهت عمر بن الخطاب إلى العراق، فكنت قد بسطت يدي كلتيهما في سبيل الله، ومد يديه، ووددت أني كنت سألت رسول الله
صلى الله عليه وسلم : لمن هذا الأمر فلا ينازعه أحد؟ ووددت أني كنت سألته: هل للأنصار في هذا الأمر نصيب؟ ووددت أني كنت سألته عن ميراث ابنة الأخ والعمة؛ فإن في نفسي فيها شيئا.
2
والحق أن في هذه الأمور التي عددها بعض المآخذ التي تؤخذ عليه في إدارته، ولكنه كان في ذلك كالمجتهد الذي اجتهد وحاول وسعه أن يصل إلى الصواب فلم يصب الهدف، وسنحاول في المباحث الآتية تبيين بعض الأعمال التي قام بها أبو بكر في تنظيم الأعمال الإدارية، والتي حاول جهده أن يجعل حكومته تسير على المنهج المحمدي، وتسمو نحو الكمال الذي دعا إليه الإسلام، فيما يلي: (1) الخلافة
تحمل أبو بكر أعباء الخلافة النبوية وهو كاره للقيام بهذا الحمل الثقيل، وقد رأينا قوله في ذلك وتأسفه على أنه قبله ولم يلح على أي من عمر أو أبي عبيدة أن يحمله، ويكون له وزيرا ومرشدا، ولكن الظرف الذي استخلف فيه والبيئة التي اضطرته على أن يقبل الخلافة كانا ظرفا وبيئة لهما حالة خاصة، وقد رأينا تفصيل ذلك وكيفية استخلاف أبي بكر في الفصل الذي عقدناه لقصة يوم السقيفة.
كان أبو بكر من عقلاء العرب والمطلعين على تقاليدهم وأعرافهم ومصطلحاتهم، واسع المعرفة بماضيهم، نافذ البصيرة في كشف حقائق حاضرهم، فلما أتيح له أن يتولى أمورهم سار فيهم سيرة عاقل حصيف، ودبر تدبير حازم رشيد، لم يخالف تعاليم الإسلام، ولكنه لم يهدم ما لم يخالفه الإسلام من تعاليم الجاهلية، وقد رأى أن رسول الله كان يستوحي ربه فيعلم أمته ويرشدها إلى السراط السوي، فلما ولي أبو بكر وانقطع الوحي الرباني أخذ خليفة النبي يستوحي القرآن والسنة النبوية، ويسترشد بهديهما في حل القضايا التي تلاقيها خلافة المسلمين، فهو لا يقطع بأمر إلا ويستفتي فيه كتاب الله، وقلبه، وكبار أصحاب رسول الله، وقد سار بسياسة الشورى لإقرار الإسلام إياها، ولموافقتها لروح العرب المحبة للديمقراطية، الكارهة للاستبداد، النافرة من الديكتاتورية، ولكنه كان مع حبه للديمقراطية والشورى كان يفكر فيما يشار عليه به ويناقشه، فإذا رآه صوابا سار بمقتضاه، وإذا رآه معوجا تحاشاه.