صلى الله عليه وسلم ، وأصابه أبو محجن الثقفي بسهم في الطائف لم يؤذه في جنبه، وبقي إلى خلافة أبيه، وانتقض عليه سهم الطائف فقتله في شوال سنة 11ه، وصلى عليه أبوه، ودخل قبره أخوه عبد الرحمن وعمر وطلحة، وكان ذكيا عاملا شجاعا، قال عنه في «أسد الغابة»: وترك سبعة دنانير فاستكثرها أبو بكر، ولا عقب له.
وأما عبد الرحمن فكان شاعرا شجاعا لبيبا، ولم يسلم إلا في هدنة الحديبية، وشهد بدرا وأحدا مع المشركين، وكان من الرماة الشجعان، وله مواقف جليلة في الجاهلية والإسلام، وشهد اليمامة مع خالد بن الوليد، وشهد وقعة الجمل مع أخته، وشهد فتوح إفريقية ومصر، وبعث إليه معاوية بأموال ليبايع يزيد فردها وقال: لا أبيع ديني بدنياي، وخرج إلى مكة ومات بها قبل أن تتم البيعة ليزيد، وكان موته فجأة في سنة 53ه.
وأما محمد فهو أصغر أبنائه، ولد من أسماء بنت عميس في ذي القعدة سنة 10ه أثناء سفرها إلى الحج في حجة الوداع، ولما مات أبو بكر تزوجها علي بن أبي طالب، فنشأ محمد في حجر علي عليه السلام، وكان من الزهاد العباد الصلحاء، أقام بالمدينة بعد وفاة أبيه وطول خلافة عمر وعثمان، فولاه عثمان مصر، واتفق مقتل عثمان قبل وصول محمد إلى مصر، ثم شهد مع الإمام علي عليه السلام وقعتى الجمل وصفين، وولاه الإمام إمارة مصر فدخلها سنة 37ه، ولما اتفق الإمام ومعاوية على التحكيم وانتهى أمره إلى ما انتهى إليه، بعث معاوية بعمرو بن العاص فاحتل مصر واختفى محمد بن أبي بكر، فعرف معاوية بن خديج بمخبئه، فأمسك به وقتله وأحرقه في سنة 38ه، (رضي الله عنه).
وأما البنات فكبراهن «السيدة أسماء» الملقبة بذات النطاقين، تزوجها الزبير بن العوام، وولدت عدة أولاد، منهم: «عروة» وهو من فقهاء المدينة السبعة، و«عبد الله»، وقد عمرت طويلا حتى جاوزت المائة ولم يسقط لها سن، إلا أنها عميت آخر عمرها بعد مقتل ابنها عبد الله من كثرة بكائها عليه، وكانت سيدة جليلة فصيحة، حاضرة القلب واللب، ولها أخبار كثيرة تدل على عظم نفسها، ومن أشهر تلك الأخبار: خبرها مع الحجاج بعد مقتل ابنها عبد الله، وقد روي لها في صحيحي الإمامين: البخاري ومسلم نحو ستين حديثا.
ثم «السيدة عائشة» زوج رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، وقد تقدم الكلام عنها وعن فضلها وأثرها الجليل في الإسلام؛ فقد كانت من أفقه نساء المسلمين وأعلمهن بالدين والأدب والشعر والنسب والحديث وأشعار العرب، وأصغر البنات هي «السيدة أم كلثوم» ولدتها أمها بعد وفاة أبي بكر، ولما كبرت أراد عمر أن يتزوجها فلم يتم له ذلك، ثم تزوجها طلحة بن عبيد الله، (رضي الله عنهم جميعا).
9
الفصل الخامس
| في أعماله الإدارية والتنظيمية
رأينا في القسم الأول من عصر الانطلاق أن النبي الكريم لم يمت حتى رتب شئون حكومته، ونظم أعمالها الإدارية والقانونية وما يتعلق بذلك من أحوال الجيش والسياسة والمال والقلم، وفصل ذلك تفصيلا لم يسبقنا إليه أحد ممن تعرض لتاريخ العهد النبوي فيما نعلم، ولا شك في أن الصديق العظيم قد سار على غرار النهج النبوي في طراز حكومته وأسلوب إدارته حذو القذة بالقذة؛ لأنه كان شديد الحرص على أن يقلد النبي
صلى الله عليه وسلم
في حركاته وسكناته وإرشاداته وإصلاحاته، ولا عجب! فإن حب أبي بكر للنبي وحب النبي لأبي بكر وتقاسمهما مشاكل الحياة وظروفها في السراء والضراء، كان حبا عجيبا، وكانت أخوتهما ومودتهما مضرب الأمثال.
نهج أبو بكر في تراتيب حكومته على الطريقة المحمدية، فتمم كل أمر شرع فيه الرسول، سواء أدرك الحكمة منه أو لم يدركها؛ فقد أرسل جيش أسامة إلى الشام وهو أحوج ما يكون إليه لقتال المرتدين، ولما أشار عليه بعض الصحابة بإيقاف ذلك الجيش قال: لا والله، لا أوقف بعثا عقد الرسول لواءه بيديه، ولما طلب إليه أن يغير القيادة وينزعها عن أسامة فيضعها في يد بعض شيوخ الصحابة لم يقبل ذلك وثار على من طلب إليه ذلك، فالنبي أدرى بمن يؤمر وأعرف بمن هو أهل للقيادة. قال أبو هريرة: والله الذي لا إله إلا هو، لولا أن أبا بكر استخلف بعد النبي ما عبد الله، ثم كررها ثلاثا، فقيل له: مه يا أبا هريرة، فقال: إن رسول الله وجه أسامة بن زيد في سبعمائة إلى الشام، فلما نزل بذي خشب وقبض رسول الله وارتدت العرب حول المدينة فاجتمع عليه أصحاب رسول الله فقالوا: يا أبا بكر رد هؤلاء، أيتوجه هؤلاء إلى الروم وقد ارتدت العرب؟! فقال: والله الذي لا إله إلا هو لو جرت الكلاب بأرجل أزواج النبي