تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان أبو بكر قد اتخذ مسجدا بفناء داره يصلي فيه ويقرأ القرآن فيجتمع عليه الناس ويستمعون إلى قراءته وينظرون إلى صلاته وبكائه،

2

ولقد لقي أبو بكر على الرغم من مكانته كثيرا من عنت جهال قريش وسفهائها لإسلامه ولدفاعه عن النبي؛ فقد قالت أسماء بنت أبي بكر وقد قيل لها: ما أشد ما رأيت المشركين بلغوا من رسول الله

صلى الله عليه وسلم ؟ فقالت: كان المشركون قعدوا في المسجد الحرام فتذاكروا رسول الله

صلى الله عليه وسلم

وما يقول في آلهتهم، فبينما هم كذلك إذ دخل رسول الله المسجد، فقاموا إليه بأجمعهم يضربونه حتى غشي عليه، فأتى الصريخ أبا بكر فخرج فوجد رسول الله والناس مجتمعون عليه، فقال: ويلكم، أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم؟! فتركوا الرسول وتناولوا أبا بكر يضربونه، فرجع إلى أهله وهو لا يحس شيئا من غدائره إلا جاء معه وهو يقول: تباركت يا ذا الجلال والإكرام،

3

ولما اشتد تعدي المشركين على رسول الله وأبي بكر أذن الرسول لصاحبه بالهجرة، فضاق بذلك أول الأمر، ثم قبل أن يهاجر نحو الحبشة، فلما بلغ قارة «برك الغماد»

4

لقيه سيد القارة المعروف بابن الدغنة، فسأله: أين تريد؟ فقال: أخرجني قومي، فأريد أن أسيح في الأرض فأعبد ربي، فقال ابن الدغنة: إن مثلك لا يخرج، إنك لتكسب المعدوم وتصل الرحم وتحمل الكل وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق، فارجع فاعبد ربك، فارتحل ابن الدغنة وأرجع أبا بكر، وكان ابن الدغنة في كفار قريش، وقال لهم: إن أبا بكر لا يخرج مثله ولا يخرج، أتخرجون رجلا يكسب المعدوم ويصل الرحم ويحمل الكل ويقري الضيف ويعين على نوائب الحق؟! فأنفذت قريش جوار ابن الدغنة وأمنوا أبا بكر، وقالوا لابن الدغنة: مر أبا بكر ليعبد ربه في داره وليصل ما شاء وليقرأ ما شاء ولا يؤذينا.

فكان أبو بكر يصلي في مسجد داره ويقرأ القرآن، فتقف عليه نساء المشركين وأبناؤهم يتعجبون منه وينظرون إليه ، وكان يكاد لا يملك دموعه حين يتلو القرآن ويرتله، فأفزع ذلك مشركي قريش، فأرسلوا إلى ابن الدغنة، فقدم عليهم، فقالوا: إنا أجرنا لك أبا بكر على أن يعبد ربه في داره، فأعلن الصلاة، وخشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره خفية، وإن أبى فليرد ذمتك. فأتى ابن الدغنة أبا بكر وطلب منه ما طلبته قريش، فقال أبو بكر: فإني أرد عليك جوارك وأرضى بجوار الله ورسوله. ورجعت قريش تؤذيه، فتحمل ذلك صابرا محتسبا كل ما يلقاه في سبيل الله، إلى أن ضاق ذرعا بما يلقاه من أذى قريش، فاستأذن النبي في الهجرة، فقال له الرسول: على رسلك يا أبا بكر، فإني أرجو الله أن يأذن لي بها فنخرج معا، ففرح أبو بكر وقال: أوترجو ذلك بأبي أنت وأمي؟ فقال الرسول: نعم، ففرح أبو بكر وأخذ يعد عدة السفر وعلف راحلتين كانتا عنده.

وروي عن السيدة عائشة أنها قالت: بينما نحن جلوس يوما في بيتنا في الظهيرة إذ قال قائل لأبي: هذا رسول الله

صلى الله عليه وسلم

مقبل متقبع، في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال أبي: فداه أبي وأمي، إن به في هذه الساعة لأمرا. قالت: فجاء الرسول فاستأذن فدخل فقال لأبي: أخرج من عندك، فقال أبو بكر: إنما هم أهلك بأبي وأمي أنت، فقال الرسول: قد أذن لي بالخروج، فقال أبو بكر: فالصحبة بأبي وأمي أنت يا رسول الله، فقال الرسول: نعم، فقال أبو بكر: بأبي أنت وأمي، فخذ إحدى راحلتي هاتين، فقال الرسول: بالثمن، قالت عائشة: فجهزناهما أحث الجهاز ووضعنا لهما سفرة في جراب، وقطعت أسماء من نطاقها وأوكت به الجراب؛ ولذلك سميت: ذات النطاقين، ودخل رسول الله بغار في جبل ثور، ولحق به أبو بكر فمكثا فيه ثلاث ليال، وكان يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر وهو غلام شاب ثقف لقن، وكان يدلج من عندهما سحرا فيصبح عند قريش كبائت بينهم، فلا يسمع أمرا يكادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام.

عصر الخلفاء الراشدين: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثالث) · الصفحة ٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر الخلفاء الراشدين: تاريخ الأمة العربية (الجزء الثالث)ص ٣